ifada إفادة

ifada إفادة


الفن المعاصر وسؤال البدء.. أسباب الظهور

الأربعاء 10 أكتوبر 2018 - 11:03 , افادة
 الفن المعاصر وسؤال البدء.. أسباب الظهور
عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي مغربي)

"الجانب الأعظم من الفن المعاصر، يعمل على الرفع من البسيط، والمهمل: الرديء باعتباره قيمة وايدولوجيا". جون بودريار.
1. الرؤية الفلسفية:
ولأن تاريخ الفن منذور للتطور والتقدم والتغير، فقد عرف الفن قفزات أساسية، إلا أنها لم تكن أبدا منفصلة عن التقدم الفكري والفلسفي... إذ أن كل الفنون ارتبطت بالضرورة بخطاب أو تصور أو مفهوم فلسفي، كقاعدة أساسية تنطلق منها.
وقد ظل الفن الغربي منذ عصر النهضة متماسكا يحاكي شيئا ما، في الطبيعة المادية أو الإنسانية. ولكن مع بداية القرن العشرين يظهر الواقع الإنساني والطبيعي في لوحدات الفنانين على هيئة مكعبات ومربعات ودوائر وألوان متداخلة.
ثم يزداد الحلول ويصبح كل شيء مرجعية ذاته، مكتفيا بذاته، يشير إلى ذاته دون أي معنى أو مدلول في عالم مادي، مغرق في ماديته، لا توجد فيه أية ثنائيات أو نتوءات أو تعرجات. فظهر ما يسمّى بالفن المفاهيمي art conceptuel، وهي مدرسة تنادي برفض فككرة الفن ذاته (فالفن له معنى وبنية، وبالتالي يشير إلى شيء خارجه). وقد عبّر هذا الرفض عن نفسه من خلال أعمال بييرو مانزوني ( 1933-1963). فقد كان هذا (اللافنان) يُعلّب برازه ويبيعه بعد أن يكتب عليه: "باز فنان صاف 100% ". لقد تجاوز الفن المعاصر إذن، الفن الحديث والكلاسيكي، بالانتصار للفكرة والمفهوم على الشكل والأسلوب. إذ يأخذ المفهوم حيز الحضور الفيزيائي في العمل. وقد ساهم في ذلك بشكل أوسع أصحاب "الفن واللغة"، تقدمهم جوزيف كوزوت Kosuth بكراسيه الثلاث.
ولكي نفهم ما حدث أو ما يحدث، علينا أن ننظر -دائما- إلى فلسفة نيتشه والفلسفة المادية السائلة، بالتحديد، في اللغة والفن والجمال. أما في عالم اللغةـ فقد ذهب نيتشه إلى أنه، في عالم السيولة الكاملة، تغيرت علاقة الدال بالمدلول. فلنأخذ مثلا كلمة (الروح)، هذه الكلمة تشير في الفلسفات التقليدية إلى كلٍّ متجاوز لعالم الجسد والمادة، وهو ما يفترض وجود مسافة بين الروح والجسد، وينكر الحلول الكامل ووحدة الوجود المادية. ينكر نيتشه هذا تماما، ويؤكد لنا، انطلاقا من رؤيته المادية، أن الروح في الواقع الأمر تشير إلى الجسد "إن هو إلا ترتيب لبعض القوى الطبيعية وعمليات تجسد إرادة القوة". فالدال التقليدي هنا فقد علاقته تماما بمدلوله، واكتسب في فلسفة نيتشه مدلولا جديداً.
والعالم عند نيتشه، يتسم بالنظام والتماسك، ولكن نظامه وتماسكه مثل نظام وتماسك العمل الفني، أي أنه نظام مؤقت يشبه النظام الذي فرضه شاعر على قصيدته غنائية صغيرة، نظام يضرب لا بجذوره في أي واقع، وإنما في وجدان الشاعر [الفنان] وإرادته. كما أن الواقع، كالعمل الفني، مكوّن من صورة مجازية من صنع عقل الإنسان، لهذا فهذا الواقع وهم وتعبير عن إرادة القوة. وكل هذا يعني أنه لا توجد حقيقة، وإنما توجد طرق في النظر (منظور)، وهي كلها طرق متساوية بسطح الواقع السائل. وإذا كان الواقع سائلا ووهميا فكذا الذات، فالإنسان مثل الفنان يخترع نفسه، إذ لا توجد ذات ثابتة، والذات من اختراع الذات، والذات إن هي إلا تعبير عن إرادة القوة والدوافع المظلمة. 
فليس للعمل الفني (مع المعصرة) أصل ثابت وميتافيزيقي، ملهم أو رباني، بل هو نتاج لاموضوعي عن ذات غير مستقرة، وعن جسد وعن الوهم، من حيث أن الخلاص من العالم الواقعي هو اختراع وهم بديل، يتمثل في الفن والعمل الفني.
********


فالفن الغربي –المتأرجح بين الالتزام بمحاكاة العالم المرئي والتحرر منه، المتأرجح بين العالم الموضوعي والعالم اللاموضوعي- لا يتوقف عند مسْألة تخطي الأطر الكلاسيكية وتجاوز الفضاء التشكيلي النهضوي. فكان عليه أن يواجه مسائل أخرى معقدة، أكثر ارتباطا بواقع الإنسان المعاصر، مسائل ولدتها ظروف ظهور تطور المجتمع الصناعي الرأسمالي وما ارتبط بها من أزمات وتبدل في العلاقات القائمة بين الفن والجمهور، وما نتج عن ذلك من شعور متزايد بدور الفنان الهامشي. الأمر الذي قاد الفن، في بعض مراحله، إلى حدود العبثية ونفي الفن مع الدادائية، وحركة فلكسيس، وتيارات أخرى ظهرت في مجالي الأدب والفن، ووقفت منهما موقفا سلبياً. فهي تهاجم سلطة الفن وادعاءاتها وتطالب، مع الحدوثة [Happening] والمفاهيمية بتخطي اللوحة نفها والوسائل المرتبطة بها على اختلافاتها، ولا تعترف سوى بالفكرة بدلا عن العمل الفني نفسه، كما لا تحتفظ سوى بمفهوم كلمة "فن" خارج أي اعتبار قصصي أو روائي، بحيث يغيب "الشيء الفني" (اللوحة) ولا يبقى منه إلا تحليل الفنان له وسؤال "ما هو الفن؟" .
إذن، انعطف الفن الغربي نحو الفنون الجديدة أو المعاصرة، بعدما تحول الفنان من الاهتمام بالشكل إلى الاهتمام بالفكرة والموضوع، إذ بات المعنى غير مركزي تحوم حوله أشكال فنية اعتيادية ومألوفة تصير تقليدية، ولم تعد هناك سرديات كبرى تسود التفكير الحداثي المعاصر أي ما بعد الحداثي. فوقف الفنانون ضد المفاهيم التقليدية للفن ووسائل التعبير عنه، وعمد ممثلو الحركة الجديدة إلى تخطي الفن نفسه تكريسا لرؤية الجديدة للواقع، الواقع الذي أخضع في السابق للتفسير والتأويل وإعادة البناء وفق قناعات الفنان وميوله. بينما أصبح الواقع، هنا، هو المجال الأساسي لمقابلة جمالية، بعد أن اختصرت المسافة بين الفن والحياة، وتحرر الفنان من الوسائل كلها، وتوجه مباشرة لاكتشاف نفسه والعالم. وبتحرره من الأشكال التقليدية للفن والتوجه نحو "العمل المباشر بمادة العالم"، إذ أراد الفنان أن يعبّر عن إدراك جديد للعالم وعن مفهوم جديد للفن.
كل هذا عماده الانتقال الذي شهدته الفلسفة والتفكير الإنساني من المادية الصلبة (أو المطلقة) إلى المادية السائلة (أو النسبية). فبخلاف الأولى الرائية بوجود وحدة صلبة، أما الوعي –بالنسبة لها- فأمر ثانوي، إذ لا يمكن الاعتقاد إلا بالمادة كوحدة متماسكة، ذات غاية، لأن العالم هو عبارة عن تمظهرات للمادة، بما أن كل الأشياء مكونة من المادة. ما يربطها بالفلسفة المثالية، التي ترى في روح العالم توجها إلى الكمال، وفي ذلك المثالية الدياليكتة لكل من ماركس وإنجلز، التي تهدف إلى سيطرت الإنسان على الطبيعة. إذ مع دخول القرن العشرين، وتحطم قوانين نيوتن المادية أمام قوانين الكم، وأمام النسبية العامة والخاصة، ما ضرب أزلية المادية عرض الحائط، فالمادة قابلة أن تتحول إلى طاقة، E=mc²، والطاقة قابلة التحول إلى مادة، تغير التصور والرؤية الإنسانية للعالم والوجود، وبالتالي للفن. فالمادية الصلبة، ترى بأن العالم له غاية محددة مادام موحدة وصلبا، أساسها "العقلانية المادية، التي ذهبت إلى أن عقل الإنسان قادر على الوصول إلى قدر من المعرفة ينير له كل شيء"، ما جعل الإنسان مركزا للكون، وهنا يجعلها في تقاطع مع ما تذهب إليها الرؤية الدينة. بينما وبالمقابل فمع ظهور النظرية النسبية ونظريات عدم التحديد والكوانتوم، والتي تبين للإنسان أن الذات لا تدرك الواقع بشكل دقيق، وأن الواقع نفسه متغيّر متحوّل لا يمكن الوصول إليه، تم ضرب الإنسان أنطولوجيا (فالإنسان إن هو إلا مجموعة من الدوافع المادية والاقتصادية والجنسية لا يختلف سلوكه عن سلوك أي حيوان أعجم، لذا فهو لا يستحق مركزية الكون)، وإبستيمولوجيا (فإدراك الإنسان للواقع لي عقلانا، وإنما تحكمه مصالحه الإقتصادية وأهواؤه الجسمية). ما حطم العقلانية المادية الصلبة والمطلقة، وجعل المادية سائلة ونسبية ومفككة. ما أنتج المدرسة التفكيكية على المستوى اللغوي والبصري، ومحاولة دراسة المفهوم، بعيدا عن المدلول المتعارف عليه وإعادته إلى أصوله البعيدة ودراسته في ظل كل الحمولات التي تحيط به. وقد ذهب ماغريت في أعماله إلى وضع صورة الشيء في تضارب مع الاسم الذي يصاحبها، فالنافدة صارت شجرة... ما وضع الدال في مواجهة المدلول، والمعنى في مواجهة الشيء. ولم يعد يتحكم في العالم أي ثنائية وتقابل، بل اتحد القبيح بالجميل في الفن، ما أخذنا إلى الكلام عن جمالية القبيح في الفن المعاصر بالخصوص.
فمع هذا المنعطف تحوّل الفن من كونه أثرا ظاهرا وموضوعا ملموسا وعملا ناجزا œuvre إلى سيرورة processus، بمعنى آخر تحوّل الفن من اكتمال العمل الفني إلى عدم اكتماله، فهو دائما في تقدم in progress أو in process كما يُقال بالإنجليزية. وهذا يعني أن العمل الناجز والمكتمل والتام استحال إلى ما ليس تاما ومكتملا أي إلى جدلية التفكّك والبناء وهذا ما يدل عليه اللفظ الفرنسي désœuvrement. لا قيمة للموضوع الناجز والمكتمل في الفن المعاصر بقد ما أن القيمة هي للفعل المفتوح على المحتمل واللامتوقع L’imprévisible . إذ أن الماديون الجدد يرون بأن أية محاولة تجاوز الطبيعة ومحاولة الوصول إلى نقطة ثبات ما هو إلا محاولة عبثية، ما سيدفعهم إلى إعلان إلغاء الحدود والكليات والثوابت والسبيية وأي شكل من أشكال الصلابة، وهو يعني أيضا إنكار الأصل الإلهي". فـ"الإله قد مات"، كما يعلن نيتشه على لسان بطله زرادشت. 
هذا كان الدافع لينحو الفن المعاصر منحى يجعله مرهونا بسيرورة ما وبذلك استجابة لما هو منتظر منه أي الإمكان في تجريب واختبار أشكال جديدة وتعبيرات غير مألوفة وغير معتادة. إنه الفن أثناء حدوثه ولحظة وقوعه: إن الفن المعاصر لا ينبسط أثناء ظهور مفاجئ للعمل وإنما على امتداد فعل موسوم بسيرورة إبداعية، وغنائية متزامنة مع السيرورة. ويمكن أن نتساءل ما هي الضرورة الداعية إلى تفكيك مفهوم الحدة unicité التي لازمت الفن، لا شك أن لقيمته الاستعراضية الجديدة -التي حللها والتر بنيامين- دور في ذلك، وأيضا لقانون العرض في السوق دخلٌ ما. فقد اتجه الفن المعاصر نحو المتلاشي والزائل والعابر، فلم يعد هناك أي مرجعية استتيقية تقليدانية للسند، وتحول السند من سندا ماديا إلى لامادي. 
لقد تزامن التطور الفني نحو الفن المعاصر بفعل الانتقال من الحداثي إلى ما بعده وتجاوز السرديات الضخمة التي تثقل الحداثة، والتغيرات الكبرى التي عرفتها السياسة والاقتصاد على أوسع نطاق. لقد بات الفن حساسا أكثر إلى كل المتغيرات العالمية من أفكار واقتصاد وسياسة.
في الفن الحديث كما في الفن الكلاسيكي، كانت قيمة الفنان تتحدد في دقته، فالمساحة الصباغية يتم ملأها بحسابات خاصة في عالم الفن. هذا ما بات صعبا في الفن المعاصر، وخاصة مع تجريد المادي للعمل الذي يخضع غالبا لاقتراحات الفنان. فقد انزاح الفن المعاصر نحو المنفلت والعابر والمتلاشي ولم تعد العمل الفني يسعى إلى الخلود المادي، بل بات يخلّد داخل إطار مغاير لما كان مألوفا، فقد أستبدل الإطار والقماشة والسند وغيرها بالصورة الفوتوغرافية والسينماتوغرافية، وأستبدل مفهوم الخلود بالصيرورة devenir. بالتالي تجاوز العمل الفني الجدران وخرج إلى الشارع، فبتنا نتحدث عن فنون الشارع بحيث تخطى الفن المعاصر النخبوية واتجه إلى الجماهرية، وبدل أن يأتي الجمهور لدور العرض لقد دخل الفن إلى شوارعهم ودوره، خاصة مع ما سمي ب"الفن الشعبي" pop art.


*******
بات العمل الفني اليوم غير مندرج داخل خانة المنجز الفريد والتحفة الواحدة، إذ مع التكرار والتعدد مثلما سمح به فن السيريغرافي sérigraphie (الطبع الحريري) مع أندري وارهول وغيره، سيصير العمل من كون النسخة باعتبارها الأصل إلى نسخة باعتبارها السيمولاكر.
السيمولاكر -هنا- هو تجاوز لتلك الرؤية الأفلاطونية التي تنظر إلى هذا المفهوم باعتباره شبيه الشيء الذي لا يشبه الشيء، أي أنه نسخة مشوهة وممسوخة عنه. لقد تغيّر هذا المفهوم مع بزوغ فجر الفلسفة المعاصر. لقد احتلت النسخة موضع الأصل، كما يحدد فوكو السيمولاكر في إحدى تعريفاته الأربعة له، فهو يدل على "القدوم والظهور المتأني للذات والآخر". فغدا من غير الممكن فصل الأصل عن الشبيه، ويغدو الشبيه مقارنا بالشبيه، والأصل هو نسخته، والموضوعات هي نظائرها. فلقد تم قلب النظر الكلاسيكية للفن كما قلب نيتشه الأفلاطونية. لقد بات العمل الفني "الأصلي" متاحا للكل وليس حكرا على أي أحد. لقد دخل الفن نطاق الاستهلاك ونطاق التوزيع. فانهارت الحدود بين الواقع والوهم. وبات العل الفني أكeر قابلية للاستنساخ، مع ما بتنا نسميه بالفن الرقمي، حيث بات الافتراضي موازيا للواقعي وصار الفنان يوظف أدوات ووسائل متطورة ورقمية، لايدوية ولامادية. واحتلت البرامج محل الأدوات واستبدلت الورشات بالحواسيب وآلات التصوير.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :