الإثنين ٠٤ يوليو ٢٠٢٢

وسائل الإعلام و استعمار العقول

الأربعاء 8 يونيو 21:06

بقلم : سفيان نجيح 

تلعب وسائل الإعلام دورا مهما في استعمار العقول، قد تبدوا كلمة “استعمار” مبالغ فيها بداية، إلا أن المتمعن الناظر لوسائل الإعلام  يرى أنها تمارس سلطة وسيطرة سلبية على العقول إلى حد ما، هذه السلطة والسيطرة تميل إلى تقييد أو حتى القضاء على حرية الفكر. ومنه جاء استعمالنا لمصطلح الاستعمار الذي نهدف منه إلى التنديد بالأساليب التي تستخدمها وسائل الإعلام لجذب انتباه الفرد، بما يتعارض مع المادة 19 من إعلان حقوق الإنسان لعام 1948. 

إن وسائل الإعلام المتعددة والمتنوعة يجب أن تغذي فكرة الجمع، لكن المعلومات المطلقة والموضوعية غير موجودة، إذ يتم تصنيع المعلومات، وبيعها في مجتمع استهلاكي، مع إخفاء التلاعب في إنتاج المعلومات، وبحسب نعوم تشومسكي فإن ما لا يقال في الإعلام لا يوجد في أذهان الكثيرين.

لكن السؤال الذي يمكن طرحه، من يقف وراء هذا التلاعب بالمعلومات لاستعمار العقول؟ بدون الانغماس في نظريات المؤامرة، يمكننا النظر في المجموعات الاقتصادية أو السياسية أو الدينية أو المجتمعية.

إذا كان من السهل جدًا اكتشاف المجموعات الثلاثة الأخيرة وبالتالي تجنبها، فإن الأمر يختلف بالنسبة للمجموعات الاقتصادية. لقد سار تطوير وسائل الإعلام جنبًا إلى جنب مع تطوير الإنتاج الضخم، الذي يجب أن يجد السوق بالضرورة، حيث لا تفلت المعلومات من ظاهرة التسليع العامة هذه،  فهي تعامل بنفس الأهداف الربحية، فالإعلام الذي يعتبر أو يدعي أنه السلطة ضامنة للنقاش الديمقراطي، هو نفسه خاضع لسلطات أخرى، ففي فرنسا مثلا يتحكم الاقتصاد في معظم وسائل الإعلام الذي أصبح أداة للاستراتيجيات الصناعية والتجارية والمالية، أكثر من كونه خاضع للسلطة السياسية القائمة.
هذا الوضع ظل موجودًا دائمًا ولم يطرح مشكلة في حد ذاته، إلا أن ما يطرح مشكلة الآن هو أن الخطوط التحريرية في بعض الأحيان لم تعد تستند إلى الأفكار، ولكنها أصبحت تستند على الطوارئ الاقتصادية، ما يعني أنه غالبًا ما يكون هناك تواطؤ بين مختلف القوى : الإعلام، والدوائر السياسية، والاقتصادية، والمالية.

إن التسلسل الهرمي للمعلومات غالبا ما يكون بواسطة وسائل الإعلام منحرفا، يصرف انتباهنا عن المشاكل الحقيقية، حيث تميل وسائل الإعلام إلى اختزال حياة العالم إلى مرتبة الحكاية بحسب بيير بورديو، وذلك من خلال تركيز المعلومات على الأخبار، إذ أنه من الصعب والنادر متابعة وتعميق النظر في المعلومات المقدمة في الوقت الآني حول موضوع معين، حيث تؤدي سرعة النشر والبحث عن السبق إلى إعطاء الأولوية للإثارة على التحليل، للعاطفة على الانعكاس، للصورة التي يتم تنقيحها أحيانًا على النص.

إن تزامن نشر نفس المعلومات في جميع أنحاء العالم يوحّد “القرية العالمية” فالثقافة آخذة في العولمة، وأصبحنا مستهلكين للأفكار “المعيارية”، النابعة من التنافس المحاكي لوسائل الإعلام، ومن إعادة صياغتها الفجة أحيانًا لنفس الرسائل، حيث لم يعد يتم التحقق من المصادر والمراجع أو اقتباسها أو التحقق منها، إذا يتبين في النهاية أن البعض غير صحيح أو متحيز أو حتى مشوهًا بشكل صريح لصالح المصالح الإيديولوجية أو السياسية أو التجارية.

إن دور الخبراء في كل مكان، والذين غالبًا ما يتشاركون في نفس وجهات النظر، يشاركون في مناقشات مصطنعة، هو قيادة للمواطنين إلى الاعتقاد بأنهم لا يمتلكون الخبرة اللازمة للتعبير عن أنفسهم بشأن موضوع ما، ومع ذلك فإن وسائل الإعلام ليست سوى انعكاس للمجتمع، وتوفر فكرة واحدة لنموذج اجتماعي ليبرالي، نحصل على وسائل الإعلام التي نستحقها لأن العرض يطابق الطلب، إذ ليس هناك ما هو أبسط من استعمار العقل من خلال تقديم ما يحبه.

إن كنا اليوم على دراية أفضل من ذي قبل بمجموعة من الموضوعات، ولو بشكل سطحي فقط، فإن ما نكتسبه من كمية المعلومات نفقده في العمق والرؤية طويلة المدى، فهذه الكمية الهائلة من المعلومات لا تتحول إلى معرفة وتعطينا فقط وهمًا بالمعرفة، والأسوأ من ذلك أننا نخزن الآن في شكل رقمي خارج أنفسنا الكثير من المعلومات التي حفظناها في السابق،  حيث أصبح الأفراد الذين ليس لديهم ذاكرة معتمدين على تقنية معرضة للانهيار و الإختراق عن طريق تعديل أنظمة التشغيل والقرصنة وبالاستغلال الضار. يا له من ضعف!

لذا ليس من المستغرب أن يكون التركيز على الدور الأساسي للثقافة والتعليم، إذ يجب على الأسرة أولاً تطوير التفكير النقدي واقتراح سلوكيات الابتعاد عن وسائل الإعلام، كما لا يجب استخدام التلفاز أبدا كجليس أومؤنس للأطفال، حيث لا يُترك الطفل أمام الشاشة دون أن يساعده شخص بالغ في فك شفرة اللغة، ويعلمه اكتشاف النوايا المخفية وراء الكلمات، ويحذره بشكل خاص من الدعاية، كما يجب أن تبقى الوجبات العائلية وقتًا للنقاش، بدون تلفزيون. 

أما في المدرسة، فمن الضروري اعتماد برامج تأخذ في الاعتبار الوعي بوسائل الإعلام واستخدامها، ما سيمكن من بذل الجهد للحصول على معلومات من مصادر متنوعة ومختارة جيدًا، تقليدية أو رقمية كانت، والنظر فيها بعين ناقدة لقراءة النصوص بأكملها دون الاقتصار على ملخص، وفك رموز النصوص و الصور.

عموما الأمر متروك للجميع ليظلوا يقظين دائمًا، فضوليين، ومدركين لجهلهم وضرورة معالجته، مسلحين بعقلهم وشكوكهم، ومنفتحين على النقاش الذي يجبرهم على إعمال الفكر. 

إن تحليلنا هذا لا ينكر إمكانية استخدام وسائل الإعلام كأداة لإرساء الديمقراطية، على اعتبار أن وسائل الإعلام عنصر من عناصر توازن القوى، فكم عدد الحالات التي كانت ستبقى في الظل إذا لم يقم الإعلام بنشرها، فقط  تجاوزاته التي تجعل المسألة خطيرة، لذا يجب ضمان الامتثال للقوانين من قبل الناشرين والمذيعين، واحترام التعددية السياسية وصدق المعلومات، وحماية الجماهير الشابة، وأخيرًا أن تعكس برمجة البرامج الإذاعية والتلفزيونية تنوع المجتمع. 












أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الجمعة ٢٤ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٢:٠٢

الجيش الأمريكي يؤدي الغناء الناعم وسط المدن المغربية

السبت ١٦ أبريل ٢٠٢٢ - ٠١:٤١

“فرصة” من الخيمة خرج مايل

الخميس ٠٩ يونيو ٢٠٢٢ - ١٢:١٩

الحرب الأوكرانية والوباء القادم سنة 2023

الجمعة ٢٤ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٣:٣٠

عندما حلق ‘الشيخ حسني” في سماء السينما