وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي يجتمعون الثلاثاء لبحث أزمة العبور الجماعي إلى سبتة
يعقد وزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء 4 غشت، اجتماعا طارئا عبر تقنية الاتصال المرئي لبحث تداعيات موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة، وما أفرزته من خلافات بين الدول الأعضاء بشأن مراقبة الحدود الخارجية، وعمليات إعادة المهاجرين، وحدود التضامن الأوروبي مع إسبانيا.
وجاءت الدعوة إلى الاجتماع بعد طلب تقدمت به الحكومة الإسبانية إلى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، التي تتولاها إيرلندا، وإلى كل من المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، من أجل عقد مشاورات عاجلة على مستوى وزراء الداخلية. وتفيد مصادر إسبانية وأوروبية بأن الاجتماع سيخصص لتقييم الوضع في سبتة وتنسيق الرد الأوروبي على واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي المسجلة على الحدود الجنوبية للاتحاد.
وبحسب وكالة «رويترز»، طالبت 22 حكومة أوروبية بعقد الاجتماع الطارئ، داعية الاتحاد إلى مساعدة مدريد على استعادة السيطرة الكاملة على الحدود المحاذية للمغرب، بعدما دخل إلى سبتة، وفق الأرقام الإسبانية، ما بين 50 ألفا و60 ألف شخص خلال فترة قصيرة، قبل عودة الغالبية منهم إلى المغرب.
انقسام أوروبي حول طريقة الرد
لا يأتي الاجتماع في سياق تضامن أوروبي موحد مع إسبانيا فقط، بل على خلفية انقسام واضح بشأن طريقة التعامل مع الأزمة.
فبينما عبرت دول أوروبية عن دعمها لمدريد، اتجهت حكومات أخرى إلى تشديد الرقابة على القادمين من إسبانيا، خشية انتقال المهاجرين إلى داخل فضاء شنغن. وأعادت إيطاليا فرض قيود على بعض الوافدين من الأراضي الإسبانية، فيما أعلنت فرنسا تعزيز الوجود الأمني على حدودها مع إسبانيا، وزيادة المراقبة الجوية والدوريات داخل القطارات.
وانتقدت الحكومة الإسبانية هذه الإجراءات، معتبرة أنها تعكس ردود فعل «أنانية» وغير منسقة، خصوصا أن مدريد تؤكد أن معظم الذين دخلوا سبتة لم ينتقلوا إلى البر الإسباني، وأن عشرات الآلاف عادوا بالفعل إلى المغرب.
وكان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، قد دعا إلى الاجتماع الأوروبي بعد اتساع الخلاف بين الدول الأعضاء، معتبرا أن أزمة تقع على الحدود الخارجية لإسبانيا هي، في الوقت نفسه، أزمة تمس الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي كله.
ما الملفات المطروحة على الطاولة؟
ينتظر أن يناقش وزراء الداخلية أربعة ملفات رئيسية، يتعلق أولها بتعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وتحديد نوع الدعم الأمني والتقني الذي يمكن تقديمه لإسبانيا.
أما الملف الثاني، فيرتبط بآليات التضامن بين الدول الأعضاء، بما في ذلك احتمال تقديم دعم لمرافق الاستقبال في سبتة، والمساعدة في التعامل مع القاصرين غير المصحوبين والأشخاص الذين لا يمكن إعادتهم بصورة فورية.
ويرتبط الملف الثالث بتسريع عمليات العودة، في ظل مطالبة عدد من الحكومات الأوروبية بتقليص المدة الفاصلة بين دخول المهاجر وصدور قرار إعادته وتنفيذه، مع احترام الإجراءات الخاصة بطالبي اللجوء والقاصرين.
أما الملف الرابع، فيتصل بمستقبل حرية التنقل داخل فضاء شنغن، بعدما أعادت الأزمة المخاوف من انتقال الوافدين من إسبانيا إلى دول أوروبية أخرى، رغم تأكيد مدريد أن الوضع جرى احتواؤه وأن معظم المهاجرين عادوا إلى المغرب.
أزمة تختبر ميثاق الهجرة الجديد
يكتسي الاجتماع أهمية إضافية لأنه يأتي بعد بدء تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد، الذي يشدد إجراءات فحص الأشخاص عند الحدود الخارجية، ويسرع دراسة بعض طلبات اللجوء ومساطر العودة، ويضع آليات للتضامن مع الدول التي تواجه ضغطا استثنائيا.
وستختبر أزمة سبتة قدرة هذا النظام على التعامل مع تدفق جماعي ومفاجئ، خصوصا أن الإجراءات الأوروبية الجديدة تسمح باتخاذ تدابير استثنائية عند ثبوت وجود حالة أزمة، لكن أي تقييد للحق في اللجوء أو تنفيذ عمليات الإعادة يظل خاضعا لميثاق الحقوق الأساسية وقاعدة عدم إعادة الأشخاص إلى بلدان قد يتعرضون فيها للخطر.
كما ينتظر أن يثار خلال الاجتماع سؤال ما إذا كانت موجة العبور ناتجة عن نشاط شبكات تهريب البشر فقط، كما تؤكد الحكومة الإسبانية، أم أنها تندرج ضمن ما يسميه القانون الأوروبي «توظيف المهاجرين» للضغط على دولة عضو.
وتوضح وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن مواجهة أي توظيف منظم للمهاجرين لا تعفي الدول من احترام الحق في طلب الحماية الدولية ومنع المعاملة غير الإنسانية والإعادة القسرية، داعية إلى توجيه التدابير أساسا نحو الجهات التي تنظم أو تدعم عمليات العبور، لا إلى معاقبة المهاجرين أنفسهم.
المغرب حاضر في النقاش الأوروبي
رغم أن الاجتماع يضم وزراء دول الاتحاد الأوروبي، فإن المغرب سيكون حاضرا بصورة غير مباشرة في النقاش، باعتباره البلد الذي انطلقت منه عمليات العبور والشريك الأساسي لإسبانيا في مراقبة حدود سبتة ومليلية وتنفيذ عمليات إعادة المواطنين المغاربة.
وأكدت مدريد أن التعاون المغربي ساهم في إعادة السيطرة على الوضع وتسريع عودة معظم الوافدين، فيما أشارت تقارير أوروبية إلى أن التنسيق بين البلدين كان عاملا أساسيا في وقف موجة العبور ومنع انتقال الأزمة إلى مرحلة أطول.
وقد يدفع الاجتماع نحو المطالبة بتعزيز التعاون المالي والأمني مع المغرب ودول شمال إفريقيا، سواء عبر دعم مراقبة السواحل والحدود أو تفكيك شبكات التهريب وتسريع عمليات الإعادة.
غير أن هذا التوجه يعيد بدوره النقاش بشأن نقل مسؤولية حماية الحدود الأوروبية إلى دول الجوار الجنوبي، وما إذا كانت الشراكات الأوروبية في مجال الهجرة تقوم على تقاسم متوازن للمسؤولية، أم على تكليف دول العبور بمنع المهاجرين قبل بلوغ الأراضي الأوروبية.
من أزمة محلية إلى خلاف أوروبي
تكشف الدعوة إلى الاجتماع أن ما وقع في سبتة تجاوز طابعه المحلي والإسباني، وتحول إلى اختبار لوحدة الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة.
فإسبانيا تطالب باعتبار حماية سبتة مسؤولية أوروبية مشتركة، بينما تخشى بعض الدول أن تتحول الأزمة إلى مسار جديد لدخول المهاجرين إلى فضاء شنغن. وفي المقابل، تحذر دول أخرى من أن اتخاذ إجراءات أحادية عند الحدود الداخلية قد يقوض حرية التنقل ويضعف التضامن بين الدول الأعضاء.
وسيكون على وزراء الداخلية، الثلاثاء، البحث عن صيغة تجمع بين دعم إسبانيا، وتشديد حماية الحدود، وتسريع العودة، والحفاظ على قواعد اللجوء وحرية التنقل داخل الاتحاد.
وبذلك، لن يقتصر الاجتماع على مناقشة ما حدث في سبتة، بل سيتناول سؤالا أوسع يتعلق بقدرة الاتحاد الأوروبي على تطبيق سياسة موحدة للهجرة عندما تتحول أزمة على حدود دولة واحدة إلى مصدر خلاف بين معظم أعضائه.
التعاليق