وزارة التعمير تعد مواثيق وطنية لحماية الهوية المعمارية وتنظيم المشهد العمراني
أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ورشا وطنيا جديدا يروم إعداد مواثيق كبرى للتوجيه العمراني والمعماري والمنظري، في خطوة تهدف إلى تأطير التوسع العمراني بالمغرب وحماية الخصوصيات المعمارية والترابية للمملكة.
ويأتي هذا المشروع في سياق سعي الوزارة إلى تعزيز جودة الإنتاج العمراني والمعماري والمنظري، وتوفير مرجع وطني موحد يوجه عمليات البناء والتهيئة والتخطيط، بما يضمن انسجام المشاريع العمرانية مع الخصوصيات المحلية والثقافية والبيئية لمختلف المجالات الترابية.
ووفق المعطيات الواردة في وثائق طلب العروض الدولي رقم 05/2026، يرتكز المشروع على إعداد خمسة مواثيق وطنية موجهة لمجالات ترابية كبرى، تشمل المناطق الساحلية، والمجالات التراثية، والمناطق القروية، والمجالات الجبلية، والمناطق الصحراوية والواحاتية.
وتسعى هذه المواثيق إلى وضع قواعد وتوصيات معمارية ومنظرية تراعي طبيعة كل مجال، من حيث المواد المستعملة في البناء، والألوان، وأشكال الواجهات، وأنماط السكن، والعلاقة بين البنايات والفضاءات المفتوحة، إضافة إلى شروط الاندماج مع المحيط الطبيعي والعمراني.
ويراهن المشروع على تجاوز منطق التدبير العمراني التقليدي نحو مقاربة أكثر دقة تعتمد على التشخيص المجالي والبيانات الرقمية والخرائط التفاعلية، من خلال إحداث منصة وطنية مبنية على نظم المعلومات الجغرافية.
وستتيح هذه المنصة تجميع المعطيات المرتبطة بالهوية المعمارية والمنظرية للمغرب، وربطها بتوصيات تقنية قابلة للاستعمال من طرف الإدارات والوكالات الحضرية والمهندسين المعماريين والجماعات الترابية والمستثمرين.
وتكمن أهمية هذا الورش في كونه يستجيب لتحديات يطرحها انتشار نماذج عمرانية موحدة أو مستوردة لا تنسجم في كثير من الحالات مع خصوصيات المجالات المحلية، خاصة في المناطق القروية والجبلية والواحاتية، حيث يظل البناء التقليدي جزءا من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للمجال.
وسيتم، في مرحلة أولى، إنجاز تشخيص وطني واسع يشمل زيارات ميدانية وتحليلا للخصائص العمرانية والمعمارية والمنظرية بمختلف الجهات، مع رصد المواد المحلية وتقنيات البناء التقليدية والعناصر الطبيعية والمنظرية التي تميز كل مجال.
وتتضمن المقاربة المعتمدة ثلاثة مستويات من التوجيهات؛ أولها تحديد الممارسات غير الملائمة التي تضعف الهوية المحلية، وثانيها ضبط المبادئ الموصى بها للحفاظ على الخصوصيات المعمارية والمنظرية، وثالثها فتح المجال أمام الإبداع المعماري المعاصر شريطة احترام روح المكان ومقوماته.
وفي المناطق الساحلية، ينتظر أن تركز المواثيق على قضايا الواجهات البحرية والانسجام بين العمران والمشهد الساحلي، مع مراعاة عوامل الرطوبة والملوحة والرياح. أما في المجالات التراثية، فسيتم التركيز على حماية الخصائص المعمارية التقليدية وبرامج التأهيل وإعادة الاعتبار.
وبالنسبة إلى العالم القروي، ستشجع المواثيق استعمال المواد المحلية وتقنيات البناء المتلائمة مع البيئة، والحفاظ على العلاقة بين السكن والمجال الفلاحي. أما المناطق الجبلية، فستحظى بتوجيهات تراعي الانحدارات والمخاطر الطبيعية والمناخ القاسي، بينما ستعتمد المناطق الصحراوية والواحاتية على معايير مرتبطة بتدبير الحرارة والموارد المائية واستلهام العمارة الواحية.
ويرتقب أن يعرف المشروع تنظيم ورشات تشاورية وطنية مع مختلف المتدخلين، من بينهم وزارة الداخلية، والوكالات الحضرية، وهيئة المهندسين المعماريين، ومديريات التعمير والهندسة المعمارية، وقطاعات الثقافة والبيئة عند الاقتضاء.
وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه رسمي يروم جعل المواثيق المعمارية والمنظرية أدوات مرجعية تساعد على تحسين جودة المجال المبني، وحماية الرصيد المعماري الوطني، وتعزيز جاذبية المدن والقرى، وضمان تنمية عمرانية أكثر انسجاما مع التاريخ والجغرافيا والبيئة.
وبين الرقمنة وحماية الهوية، يفتح هذا الورش الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير العمران بالمغرب، تقوم على تحويل الخصوصيات المحلية من عناصر تراثية متفرقة إلى قواعد عملية موجهة للبناء والتخطيط والاستثمار.
التعاليق