هل ينجح اليسار في توحيد صفوفه أم يجترّ إخفاقات الماضي؟
ما يزال حزب التقدم والاشتراكية يراهن على إحياء فكرة توحيد اليسار في أفق انتخابات 2026، في محاولة جديدة لتجاوز التشتت الذي وسم التجربة اليسارية لسنوات. فبعد إطلاق وزارة الداخلية مشاورات مراجعة القوانين الانتخابية، بادر حزب “الكتاب” إلى دعوة مكونات اليسار الديمقراطي إلى تنسيق الترشيحات وتقديم لوائح مشتركة، غير أن صدى هذه المبادرة ظل محدوداً داخل المشهد الحزبي.
زعيم الحزب، نبيل بنعبدالله، أكد أن مساعيه ما تزال متواصلة لتعبئة الأحزاب اليسارية “المناضلة”، مشيراً إلى أنه ينتظر إلى حدود الساعة رد مسؤولي حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بخصوص الانخراط في هذه المبادرة، بعدما عبّر حزب الاشتراكي الموحد عن استعداده لمناقشة الفكرة والتفاعل الإيجابي معها. وأوضح بنعبدالله أن العرض المقدم لا يقوم على منطق التحالف الشامل أو تغطية جميع الدوائر الانتخابية، بل يهدف إلى ترشيح مشترك ولو بشكل جزئي في بعض الدوائر، انطلاقاً من تشخيص مشترك للأوضاع السياسية والمجتمعية.
وأشار الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية إلى أن غياب التفاعل من طرف فيدرالية اليسار الديمقراطي يطرح علامات استفهام حول مدى الجاهزية السياسية لتجاوز الخلافات القديمة، مؤكداً في الوقت نفسه أن القوانين الانتخابية الحالية أو المرتقبة لا تشكل عائقاً حقيقياً أمام توحيد الترشح، لأن المبادرة سياسية بالأساس وتقوم على الإرادة قبل النصوص.
وبحسب بنعبدالله، فإن السياق السياسي الراهن يفرض على اليسار تحمل مسؤوليته التاريخية، خاصة في ظل تراجع منسوب الثقة في العمل الحزبي واتساع هوة العزوف، لاسيما في صفوف الشباب. ويرى أن الأوضاع الاجتماعية والسياسية “تُلِحّ” على ضرورة تقديم خطاب أمل وإصلاح، معتبراً أن ما تبقى من اليسار المناضل هو الوحيد القادر، في نظره، على حمل مشروع بديل ذي مصداقية.
ورغم هذا الخطاب المتفائل، تعود إلى الواجهة ذاكرة إخفاقات سابقة حالت دون بلورة جبهة يسارية موحدة، بفعل الخلافات التنظيمية وتباين القراءات السياسية وحسابات الزعامة. وهي إخفاقات تجعل مبادرة اليوم محاطة بالحذر، حتى داخل قواعد اليسار نفسه، التي تتساءل عما إذا كان الرهان الحالي مختلفاً فعلاً أم مجرد إعادة إنتاج لمحاولات لم يكتب لها النجاح.
وفي انتظار مواقف واضحة من باقي مكونات اليسار، يصر حزب التقدم والاشتراكية على مواصلة التعبئة وطرق الأبواب، معتبراً أن توحيد الصفوف لن يتم دفعة واحدة، بل بشكل تدريجي يتطلب حسن النية وتغليب المصلحة السياسية العامة. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحاً: هل يمتلك اليسار اليوم ما يكفي من الإرادة والشجاعة السياسية لتجاوز ماضيه والانخراط في أفق وحدوي جديد، أم أن انتخابات 2026 ستعيد تأكيد واقع التشتت نفسه، وتُبقي اليسار خارج معادلة التأثير؟
التعاليق