هل يقرأ ملك البلاد ما تكتبه الصحافة الوطنية ؟
حين يخصّص الملك محمد السادس جزءًا صريحًا من خطاب العرش لسنة 2025 للحديث عن مغربين يسيران بسرعتين: مغرب المراكز والمدن المتقدمة، ومغرب الهوامش المتعثرة، فإننا لا نكون فقط أمام توصيف سياسي لحالة تنموية، بل أمام استيعاب استثنائي لتحول اجتماعي يفرض نفسه على الجميع.
لكن المفارقة هنا، أن هذا التشخيص لم يكن اكتشافًا جديدًا من فوق، بل كان صدى لما صدحت به الصحافة الوطنية الجادة منذ سنوات.
قبل الخطاب، كانت الأيام لمديرها نور الدين مفتاح، وعدد من المنابر الورقية والرقمية الأخرى قد خصصت ملفات كاملة بعنوان: “لماذا يسير المغرب بسرعتين؟”، وباللغة نفسها تقريبًا، سلّطت الضوء على اتساع الهوة بين مغرب الاستثمارات الكبرى ومغرب البوادي العطشى، بين مغرب الطموح الدولي ومغرب الطريق المقطوع والإنترنت الغائب.
الخطاب الملكي بدا هنا وكأنه يُعيد تركيب ما راكمه الإعلام الجاد من تشخيصات وتحقيقات ومتابعات، ليرتقي بها إلى مستوى التوجيه السياسي، دون أن يعترف صراحة بأن مصدر هذه الرؤية كان نبضا مكتوبا بأقلام مستقلة.
هذا ما يطرح سؤالاً دقيقًا: حين يُصغي رأس الدولة إلى ما يُنشر في الصحافة، هل نكون أمام سلطة إعلامية تؤثر فعلاً في القرار؟ أم فقط أمام حالة عابرة من التفاعل؟
في علم السياسة، لا يُمكننا فهم صناعة القرار دون المرور عبر ما يُسمى بـ “الرادارات غير الرسمية”. فإلى جانب الأجهزة البيروقراطية والاستشارية، هناك دائمًا صوت خفي يؤثر دون أن يطلب الاعتراف. وفي المغرب، حين لا يكون البرلمان فاعلًا قويًا، وحين تُختصر المعارضة في الشعارات فقط، يصبح الإعلام الوطني المستقل هو المؤشر الأكثر حيوية على التحولات.
الإعلام حين يكون جادًا، غير مهادن مجانًا، وغير معارض بالمبدأ، يصبح شريكًا في التفكير العمومي. لا يقرر بدل الحاكم، بل يساعده على تصويب الرؤية، على قراءة الوطن من زوايا لا تراها الدولة حين تُحاصرها البيروقراطية أو تغيب عنها المعطيات الحقيقية.
تغطية احتجاجات أيت بوكماز لم تكن فقط نقلًا لحدث، بل كانت إحراجًا لمنظومة بأكملها: منتخبون غائبون، وزارات صامتة، ومجتمع مدني يشتغل وحده… فجاء صوت الإعلام الجاد كجرس إنذار، رفع مستوى الوعي بوجود مغرب منسي.
في المقابل، حين تنشغل منابر صحفية أخرى بمطاردة تفاهات السوشيال ميديا، والتضخيم من “جنازة فنان” أو “طلاق مؤثرة”، فإنها لا تؤدي سوى وظيفة التعتيم، والتشويش على البوصلة الوطنية. الإعلام هنا لا يُضيء طريق الدولة، بل يملؤه ضجيجًا.
لهذا، فإن الرهان اليوم لا يجب أن يكون فقط على حرية الصحافة، بل ايضا على جودة الصحافة. على إعلام مستقل لا يطلب القرب من السلطة، ولا يخاف بعدها، بل يشتغل بمنطق المسؤولية العمومية، لا بمنطق الإعلانات والولاءات.
هذا التفاعل لا يعني أن الإعلام يُملي القرار، بل يعني أنه يُسهم في ترتيب الأولويات، وفق ما تُسمى في علوم الاتصال بـ نظرية ترتيب الأجندة (Agenda Setting): الإعلام لا يحدد ماذا تقرر الدولة، لكنه يُحدد لها ماذا ينبغي أن تراه أولاً.
الإعلام هنا ليس سلطة رابعة بالمعنى التقليدي فقط، بل سلطة معنوية، أخلاقية، عقلانية، إذا لم تخن وظيفتها، يُمكنها أن تُنير الطريق لصانع القرار حتى وإن كان في أعلى هرم السلطة.
المغرب يحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى إعلام يُنصت للناس قبل أن يُحاور الدولة. إعلام لا يستهين بالهوامش، ولا ينغمس في معارك النخب التافهة، بل ينحاز للحقائق الصلبة، وللقضايا التي تُبقي الوطن في حركته نحو العدالة والكرامة والتوازن.
فلا أحد اليوم يحتاج لمن يُصفق، بقدر ما يحتاج لمن يُنبه.
ولا أحد في القمة يحتاج لمن يمدحه، بقدر ما يحتاج لمن يُصوّب له زاوية الرؤية.
وفي هذا، الإعلام الوطني الحقيقي ليس مجرد مهنة، بل هو ممارسة شاقة للمواطنة في أقسى تجلياتها.
التعاليق