هل يتجه المغرب نحو سنة 1912 ؟
من يقرأ تاريخ المغرب الحديث لا بد أن يتوقف عند لحظة ما قبل فرض الحماية سنة 1912. كانت الدولة المغربية آنذاك تعاني من اختلالات عميقة في بنيتها السياسية والاجتماعية. فعلى الرغم من وجود سلطان رسمي على رأس السلطة، فإن القرار الفعلي كان موزعًا بين القواد الكبار ودوائر السلطة المحلية التي احتكرت الاقتصاد والجباية، بل وشكّلت شبكة مصالح خاصة، تداخلت فيها العشائرية بالزبونية بالولاء للأجنبي.
أمثال القايد الكلاوي والصدر الأعظم الذين ضيّقوا على السلطان عبد العزيز، بل وفرضوا عليه الحجر السياسي والمالي، يُجسّدون بدقة كيف يمكن لنخبة داخليّة أن تتحول إلى خادم لمصالحها الخاصة، ووكيلا للمصالح الأجنبية، لا حاميًا للسيادة الوطنية.
ذلك المشهد، الذي مهّد الطريق أمام فرنسا وإسبانيا لتقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ، لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية، بل نتيجة تفكك داخلي، وانفصال بين السلطة والمجتمع، وانحراف النخب نحو منطق الريع والتحالف ضد أي شيء في سبيل المصالح الخاصة، حتى لو كان هذا التحالف ضد الشعب وضد الملك.
والمفارقة اليوم، أن كثيرًا من ملامح هذا السيناريو بدأت تطفو مجددًا، وإن بأدوات مختلفة، فخلال السنوات الخمس الأخيرة، تشكلت في المغرب طبقة رأسمالية هجينة، تجمع بين المال والسلطة، وتحكم قبضتها على قطاعات استراتيجية: الإعلام، الأحزاب، الاقتصاد، وحتى داخل بعض الدوائر الأمنية والرقابية. هذه الطبقة، التي راكمت نفوذها بوسائل قانونية حينًا وتحالفات خفية حينًا آخر، باتت تُمسك بزمام التأثير على القرار العام، وتنسج علاقات مصالح مباشرة أو غير مباشرة مع بعضها ومع أطراف أجنبية، مالية وسياسية.
هذا الواقع الجديد خلق شعورًا متزايدًا لدى فئات واسعة من المجتمع بأن الثروة محصورة، والفرص موزعة على المحظوظين فقط، وأن الدولة لا تدير المصلحة العامة بقدر ما تؤمّن مصالح لوبي اقتصادي-سياسي بعينه. وهي حالة، إذا لم تُعالج بحكمة وحزم، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج تلك الهوّة القديمة بين الشعب والنخبة، بين القاعدة والسلطة، والتي كلّفت المغرب فقدان سيادته الحقيقية في لحظة فارقة من تاريخه يوم بقي الحكم المركزي وحيدا في مواجهة تحالف حفنة المصالح المحلية مع الأطماع الخارجية.
لا يعني هذا أن الملكية في المغرب ضعفت، كما كان حال السلطنة في مطلع القرن العشرين. عكس ذلك يمكن القول ان الملكية اليوم هي السلطة المركزية الأقوى والمؤسسة الأثبت، دستوريًا وفعليًا. لكنها، في المقابل، تواجه تحديًا مزدوجًا:
أوله، تحييد نخب النفوذ التي تستخدم القرب من الدولة كأداة للريع والاحتكار؛
وثانيه، استعادة الثقة الاجتماعية في عدالة الدولة وعمومية منافعها.
إن استمرار تراكم الثروات داخل دوائر مغلقة، وغياب المنافسة النزيهة، وتضارب المصالح في الإعلام والمال والسياسة، وغياب الشفافية في تدبير الملفات الكبرى (من الطاقات إلى العقار)، كلها مؤشرات تؤدي إلى تفكيك التماسك الاجتماعي، وتغذية مشاعر اللاجدوى والغبن والانفصال الرمزي عن الدولة.
وما يزيد الوضع تعقيدًا، هو أن السياق الدولي اليوم شبيه، بدرجة مقلقة، بما كان عليه قبل 1912:
• صراع جيوسياسي على النفوذ بين قوى عظمى.
• سباق للسيطرة على الموانئ والموارد.
• ومحاولة كل طرف أن يجد له موطئ قدم داخل دول الجنوب من خلال تحالفات اقتصادية-أمنية مع أطراف داخلية.
والحقيقة أن السيادة الوطنية لم تعد تُهدَّد فقط بالدبابات أو الاحتلال المباشر، بل عبر الاقتصاد والبيانات والإعلام والتحكم غير المرئي في دوائر القرار.
وإذا لم تُحصَّن الدولة المغربية بمنظومة مؤسساتية نزيهة، وعدالة اجتماعية تحمي القاعدة، فإن كل ما يُنجز على الورق يبقى شكليًا، وقابلًا للانهيار في أول أزمة عميقة.
لا بد إذن من تصحيح المسار قبل أن يتوسع الشرخ،
فالتاريخ لا يعيد نفسه بنفس الطريقة، لكنه يعود بشكل مأساوي لمن لم يفهم دروسه الأولى.
التعاليق