الأربعاء ٠٧ دجنبر ٢٠٢٢

هل من صناعة سينمائية في المغرب؟

الأحد 30 أكتوبر 19:10

إفادة – إنجاز عز الدين بوركة

الفيلم المغربي بين هزالة الدعم وأفق الانتظار

يعرف اليوم المغرب مدا وجزا بين صناع الأعمال السينمائية والمؤسسات الرسمية الراعية والداعمة للسينما بالمغرب؛ مؤخرا خرجت أصوات تندد بما أسمته بـ”الخصاص في موارد إنتاج الفيلم الملحمي الوطني ‘أنوال’ مما يهدد بتوقيف التصوير وعملية الإنتاج”.. نعرف أن مثل هذه الأعمال الكبرى تتطلب ميزانية ضخمة، وفي ظل شبه غياب لمؤسسات خاصة راعية وداعمة للصناعة السينمائية، تظل الهيئات الرسمية التابعة للدولة هي الداعم الرئيس، مثل المركز السينمائي المغربي..
وفي الوقت الذي يشتكي فيه الكثيرون من ضعف المنتوج السينمائي المغربي، يشتكي العاملون ضمن حقل الفن السابع من قلة أموال الدعم والموارد، التي لا تكاد تغطي جل الحاجيات السينماتوغرافيا لإنتاج العمل كما هو مخطط له.. اليوم، في ظل هذا “التهديد” الذي يطال فيلم “أنوال” السينمائي، على سبيل الذكر لا الحصر، بوصفه نموذجا لعمل ضخم يُنتظر منه الكثير، نطرح رفقة مهتمين بالحقل السينمائي المغربي أسئلة جوهرية تمس الواقع السينمائي المغربي في علاقته بالمؤسسات الرسمية والداعمة.. وإلى متى سيظل المنتوج السينمائي المغربي رهين الدعم الرسمي، في الجزء الكبير منه؟ ومتى يمكننا الحديث عن صناعة سينمائية حقيقية في المغرب، إن أخذنا بعين الاعتبار الفيلم الملحمي أنوال؟
هي أسئلة يجيب عنها كل من الناقد والمخرج السينمائي محمد بنعزيز والناقد السينمائي والكاتب سعيد المزواري، غاية إزالة الحجاب عن إشكالية ثنائية الدعم والمنتوج البصري، أو بتعبير آخر ثنائية الميزانية والمنتظر.. فهل يمكن أن تتحقق الجودة في ظل هشاشة الموارد المادية؟ وهل ستظل أعمال فنية سينمائية مرتهنة على الدوام إلى الدعم الذي تمنحه الجهات الرسمية الداعمة؟ أسئلة تطرح نفسها بقوة أمام عطش المتلقي وأفق انتظاره المفتوح على مقارنات أسّها الأعمال الأجنبية والحديث الذي يفرض ذاته بإلحاح، المتعلق بـ”الصناعة السينمائية”.. فالمرور صوب هذه الصناعة الثقافية البصرية، يتطلب موارد ودعائم كبرى، من شأنها أن تعمل على النهوض بالقطاع السينمائي والبصري بالمغرب، والجعل منه ثروة “تدفع التنمية إلى الأمام”.. إلى جانب “جعل حياتنا أكثر ثراء وأكثر جمالا”.

• محمد بنعزيز: المال والمنظور

“يمكننا الحديث عن صناعة سينمائية حقيقية في المغرب حين يستطيع الفيلم المغربي تمويل نفسه”



إنه من المغري كتابة سيناريو فيلم تاريخي لاستثمار المسافة الزمانية التي تفصل المشاهد عن زمن الأحداث لخلق الدهشة. لهذه الدهشة أبعاد في فيلم عن عبد الكريم الخطابي دهشة المال والمنظور، ودهشة التصوير في منطقة الناظور والجثمان في القاهر.
يواجه تصوير فيلم “أنوال” للمخرج محمد بوزكو صعوبات تمويل. وقد كتب الممثل ربيع القاطي الذي يقوم بدور المقاوم عبد الكريم الخطابي على صفحته قائلا: “نواصل الكفاح والنضال من أجل إتمام الفيلم رغم كل التحديات، المهمة ليست سهلة يا سادة”.
في الحقيقة كانت هذه التحديات متوقعة لأن الميزانية المرصودة للفيلم هي أقل من خمسة ملايين درهم. هذا يطرح تحديات لمخرج أقل حظا من يوسف بريطل في تصويره لفيلم عن المسيرة الخضراء.
إن تصوير فيلم تاريخي يعني سياق مختلف وديكورات وأكسيسوارات عتيقة وملابس مختلفة يصممها مختصون مطلعون على لباس المغاربة والإسبان في بداية القرن… لابد أيضا من أسلحة من تلك الفترة…وهذا يتطلب ميزانية ضخمة.
حين تغيب تلك الميزانية يجري تصوير فيلم تاريخي في فضاء مغلق وقد حصل هذا في أفلام مغربية كثيرة تجري في فيلا منقطعة عن ما حولها. تتطلب الأفلام التاريخية ميزانية ضخمة… لابد لفيلم حربي من قلاع وأسلحة وكومبارس وخيل وسروج عتيقة… لا يملك المخرج المغربي تكاليف كل هذا.
حين يجري تصوير في من مرحلة سابقة في فضاء مغلق يفقد المتلقي الصلة بالواقع التاريخي لأن الصالون لا يبني تلك المسافة الزمانية التي ستخلق الدهشة. ولا يمكن للمعلومات في الحوارات أن تعوض أو تغني مشاهدة ذلك الواقع التاريخي المراد عرضه وتفسيره.
حرب أنوال فيلم تاريخي. فنيا تجري وقائع جل الأفلام التاريخية الشهيرة في فضاء عمومي، في سوق وساحة معركة فيها ديكور مقنع. كما في أفلام سبارتاكوس 1960 وذهب مع الريح 1936.
مفاهيميا، التاريخ حدث عمومي يجري في مكان عام ليساهم فيه الشعب، التاريخ ليس مرضا نفسيا ليجري تصويره في غرفة. وإذا كان التاريخ سيصور في فيلم في غرفة فستُقدم كل المعلومات ليس بالصورة بل في الحوار، وفي هذه الحالة وبسبب ضعف الميزانية يصير الفيلم عبارة عن تصوير رؤوس تتكلم في صالون تقليدي. وقد حصل هذا في أفلام مغربية كثيرة.
يمكننا الحديث عن صناعة سينمائية حقيقية في المغرب حين يستطيع الفيلم المغربي تمويل نفسه من شباك التذاكر ومن منصات المشاهدة. في انتظار ذلك سيبقى الدعم الرسمي ضروريا.


• سعيد المزواري: من أجل صناعة سينمائية

“إدماج الأعمال السينمائية في المقررات المدرسية، هو مفتاح تطوير صناعة سينمائية قوية”

من الصعب تغييب عامل دعم الإنتاج السينمائي في المغرب نظرا لكراهات هيكلية تتعلق بهشاشة قطاع الاستغلال بسبب هزالة حظيرة القاعات السينمائية، وارتباط ذلك بضعف الإقبال على هذه الأخيرة من طرف الجمهور. معطيات تجد جذوره في اعتبارات معقدة تتعلق بغياب التربية على الصورة والثقافة السينمائية في البرامج المدرسية، وندرتها في الإعلام. ينتج عن كل هذا بنية سينمائية تفتقر لمقومات الصناعة بحكم أن الاستغلال لا يلعب دوره الأساسي في مد السوق بسيولة كافية تصلح كرأسمال كفيل بتمويل أفلام ذات طموح كبير ورهانات فنية قوية، فتقتصر تجارب التمويل ذاتي على أفلام كوميدية ذات مستوى هزيل في الغالب، وبعض الفلتات لأفلام مؤلف جيدة، يلفي مخرجوها الحرية لطرق مواضيع جريئة، بتدابير فنية متفردة، وطرح مفعم برهانات الحاضر كما في “هم الكلاب” لهشام العسري، أو بسطوة الفضاء ونفس الارتجال الحاضران في “شقوق” لهشام عيوش، في انفلات تام من قيود الرقابة الذاتية وبيروقراطية مساطر الدعم.
في ظل ما سبق، يبدو مطلب إنتاج ذاتي لأفلام ذات موازنات متوسطة، أو ضخمة مثل الأفلام التاريخية أو تلك التي تقع في فترة من الماضي بصفة عامة، في المغرب صعب المنال، بسبب تطلبها لديكورات ضخمة ومكلفة، وموازنات خاصة لتصميم الأزياء، وحشود الكومبارس، وإكسسوارات باهظة، بالإضافة إلى زمن تصوير أطول بسبب تعقيد مشاهد المعارك والوقت اللازم لإعداد الديكور وتدريب الحشود… فيصبح حتى الدعم المقدم من طرف صندوق التسبيق على المداخيل، الذي نادراً ما يتجاوز 5 ملايين درهماً، غير كافٍ في غياب تقاليد دعم هذه الأفلام بموازنات تشمل العديد من المتدخلين كالقنوات التلفزية ومجالس الجهات (حيث يصور الفيلم)، واتفاقيات الإنتاج المشترك، والشراء المسبق، المعمول بها في الدول الغربية ذات التقاليد الراسخة في السينما.
ويبقى العمل على نشر الثقافة السينمائية عبر إدماجها في المقررات المدرسية، هو مفتاح تطوير صناعة سينمائية قوية، نظراً لمفعوله المزدوج في المديين المتوسط والطويل، على خلق مهنيين في كافة التخصصات مشبعين بالسينفيليا ما سيؤدي حتماً لتجويد المنتوج السينمائي من جهة، وخلق جمهور متعطش للفرجة السينمائية ومنفتح على كل الأنواع من جهة أخرى، ما سينعكس حتما بالإيجاب على دورة الصناعة السينمائية وتطوير بنية الاستغلال والإنتاج الخاص.

أضف تعليقك

المزيد من ثقافة وفنون

الجمعة ٠٧ سبتمبر ٢٠١٨ - ٠٨:٥٥

صدر حديثاً: الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته

الإثنين ٠١ يناير ٢٠١٨ - ٠٩:٥٥

جودي فوستر: أفلام الأبطال الخارقين تدمر عادات المشاهدة.

الأربعاء ٢٩ أغسطس ٢٠١٨ - ٠٤:٤٠

صدر حديثا: “حُلمُ العَمّ(رواية مترجمة)” – دوستويفسكي

الإثنين ١٤ مايو ٢٠١٨ - ١٠:٢٥

“غزية” مبعد عن دور العرض المصرية