هل تسقط انتخابات شتنبر عبد الرحيم اوطاس من رئاسة مقاطعة سيدي مومن ؟
لم تكن خسارة عبد الرحيم أوطاس، رئيس مقاطعة سيدي مومن والبرلماني المنتهية ولايته عن حزب التجمع الوطني للأحرار، لمقعده خلال الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 مجرد تعثر انتخابي عابر، بقدر ما حملت أرقام الاقتراع مؤشرات لافتة حول حجم التراجع الذي سجله في دائرة سيدي مؤمن-البرنوصي، بعد خمس سنوات جمع خلالها بين الحضور في مجلس النواب ورئاسة واحدة من أكبر المقاطعات الشعبية بمدينة الدار البيضاء.
فالرجل الذي دخل انتخابات 2021 متصدراً نتائج الدائرة بـ11 ألفاً و209 أصوات، عاد بعد خمس سنوات ليحل في المرتبة الخامسة بما مجموعه 2449 صوتاً فقط، وفق النتائج المنشورة لاقتراع 2026، أي أنه فقد نحو 8760 صوتاً مقارنة بالاستحقاق السابق، بما يعادل تراجعاً يقارب 78 في المائة من رصيده الانتخابي لسنة 2021.
ولم يكن هذا التراجع كافياً فقط لإبعاده عن المقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة، بل وضعه خلف مرشحين لم يكونوا يتوفرون على الوضع المؤسساتي نفسه الذي دخل به أوطاس الانتخابات؛ إذ حصل عمر بلاطيف عن العدالة والتنمية على 11820 صوتاً، وأحمد بريجة عن الأصالة والمعاصرة على 7512 صوتاً، وهشام الحيد عن الاستقلال على 3423 صوتاً، فيما تقدم عليه أيضاً يوسف السميهرو المستشار في نفس المقاطعة عن تحالف اليسار بـ3062 صوتاً. وحصل أوطاس على 2449 صوتاً، أي ما يقارب 6.9 في المائة من مجموع الأصوات المعبر عنها بحسب الأرقام المنشورة.
وتكتسي النتيجة دلالة خاصة بالنظر إلى أن أوطاس لم يدخل الانتخابات بصفته مرشحاً جديداً يبحث عن موطئ قدم داخل الدائرة؛ فهو يرأس مجلس مقاطعة سيدي مومن منذ 28 شتنبر 2021، حين انتُخب رئيساً بـ24 صوتاً من أصل 28، كما أمضى الولاية التشريعية 2021-2026 نائباً برلمانياً عن سيدي البرنوصي، وكان عضواً بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات.
من 11209 أصوات إلى 2449.. ماذا حدث؟
هذا الانخفاض الكبير في الرصيد الانتخابي يعيد إلى الواجهة النقاش حول حصيلة أوطاس محلياً، وحول طبيعة علاقته بالساكنة والفاعلين المدنيين والمنتخبين داخل المقاطعة.
ويربط عدد من المتتبعين للشأن المحلي بسيدي مومن هذه النتيجة، ضمن عوامل أخرى، بما يصفونه بضعف التواصل والقرب الميداني خلال سنوات رئاسته للمقاطعة، معتبرين أن حضوره وسط السكان والفعاليات المحلية لم يكن بمستوى الموقع المؤسساتي الذي يشغله.
وتقول مصادر محلية إن صعوبة التواصل مع الرئيس ظلت من الملاحظات المتداولة بين عدد من الفاعلين الجمعويين وحتى بعض المنتخبين، الذين يشتكون، وفق المصادر نفسها، من صعوبة الوصول إليه هاتفياً أو ترتيب لقاءات مباشرة معه، مقابل اعتماد التواصل عبر تطبيق “واتساب” في عدد من الحالات.
وتذهب المصادر ذاتها إلى أن الحضور الميداني لأوطاس أصبح أكثر وضوحاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما غذّى لدى جزء من الفاعلين المحليين الانطباع بأن التواصل مع السكان لم يكن منتظماً بالوتيرة نفسها طيلة الولاية.
غير أن مسألة التواصل لم تظهر فقط في النقاشات غير الرسمية. ففي يونيو الماضي، نقلت جريدة “الأخبار” تفاصيل توتر أعقب دورة لمجلس مقاطعة سيدي مومن، بعدما حاول ممثلون عن المجتمع المدني التواصل مع الرئيس عقب انتهاء أشغال الدورة. ووفق الصحيفة، تحدث أوطاس عن تعرضه لما وصفه بـ”الابتزاز”، فيما سجلت التغطية نفسها انتقادات من المعارضة بشأن مستوى التجاوب مع عدد من الملفات المحلية، من بينها تأهيل حيي السلام 1 و2 والإنارة العمومية وبعض الخدمات الأساسية.
وسبق أن برزت مؤشرات أخرى على وجود توتر داخل تدبير بعض الملفات. ففي سنة 2023، نقلت هسبريس تذمر أعضاء بمجلس المقاطعة بسبب توقيت عرض جزء من برنامج عمل جماعة الدار البيضاء المتعلق بسيدي مومن لإبداء الرأي، بعدما كان مجلس الجماعة قد صادق عليه، وهو ما أثار انتقادات داخل المجلس بشأن طريقة تدبير الملف.
كما وجه سكان تجزئة أكدال، في دجنبر 2025، شكاية إلى رئيس المقاطعة تضمنت مطالب مرتبطة بحالة الطرق والأزقة والورشات والمستودعات داخل الأحياء والنظافة والمراقبة الميدانية، وطالب أصحابها بتدخل أكثر فعالية للمصالح المعنية.
مشاريع تحركت في نهاية الولاية
في المقابل، لا تخلو حصيلة الفترة التي ترأس فيها أوطاس المقاطعة من أوراش ومشاريع محلية. ففي مارس 2026، بدأ عملية تفقد خمس حدائق كانت أشغالها تشارف على الانتهاء، إلى جانب استمرار عمليات إصلاح وتهيئة الطرق والأزقة بأحياء أكدال والتيسير والسلام 1 والسلام 2 والسلام التوسعة، ضمن اتفاقية شراكة رُصد لها غلاف مالي يقارب 40 مليون درهم.
لكن توقيت تسارع عدد من هذه الأوراش، خلال السنة الانتخابية، فتح بدوره نقاشاً سياسياً حول الحصيلة وتوقيت ظهور آثارها ميدانياً.
حصيلة البرلمانية فارغة
ولم يقتصر النقاش الذي سبق الانتخابات على حصيلة أوطاس في رئاسة المقاطعة. فقد خضعت تجربته البرلمانية بدورها للانتقاد، خصوصاً من زاوية حجم النشاط الرقابي والتشريعي مقارنة بولاية كاملة.
وتثبت الصفحة الرسمية لأوطاس بمجلس النواب عضويته في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، كما تعرض ضمن أرشيف الأسئلة المنشور سؤالاً واحدا حول “البرنامج الوطني لإصلاح الإدارة 2018-2021” وآخر حول “الحماية من أضرار الفيضانات”، وكلاهما يعود إلى نونبر 2021.
واثير حوله سؤال حجم حصيلته البرلمانية مقارنة بخمس سنوات من التمثيل النيابي، خصوصاً بالنظر إلى حجم الملفات الاجتماعية والعمرانية التي تعرفها دائرة سيدي البرنوصي وسيدي مومن.
مفارقة سيدي مومن
وتكمن إحدى المفارقات السياسية في نتيجة 2026 في أن رئاسة أوطاس لمقاطعة سيدي مومن كانت تُعد قبل الاقتراع واحدة من عناصر القوة الانتخابية التي يمكن أن يستفيد منها. لاجل ذلك فإن لفظ حزب التجمع الوطني للأحرار على ترشيحه، معولاً، على كونه رئيساً لمقاطعة سيدي مومن ذات الكثافة السكانية الكبيرة.
لكن صناديق الاقتراع أفرزت نتيجة مختلفة تماماً: من المرتبة الأولى سنة 2021 بـ11209 أصوات إلى المرتبة الخامسة سنة 2026 بـ2449 صوتاً.
وهي نتيجة تطرح أسئلة سياسية حول حجم الرصيد المحلي الذي بقي للرئيس بعد خمس سنوات من تدبير المقاطعة، ومدى انعكاس الحضور المؤسساتي على العلاقة المباشرة بالناخبين.
ويستحضر عدد من أبناء المنطقة، في هذا السياق، تجارب رؤساء سابقين للمقاطعة، معتبرين أن رئاسة منطقة شعبية بحجم سيدي مومن لا ترتبط فقط بتدبير الملفات والمشاريع من داخل المؤسسات، بل تتطلب كذلك الحضور المستمر في الأحياء، وفتح قنوات التواصل مع الجمعيات والمستشارين والسكان، والاستماع إلى مطالبهم خارج الفترات الانتخابية.
هل تعيد نتيجة 2026 ترتيب أوراق الانتخابات المحلية؟
وبينما يستمر أوطاس، في الوقت الراهن، رئيساً لمجلس مقاطعة سيدي مومن، فإن خسارته البرلمانية وحجم التراجع المسجل في عدد أصواته يفتحان نقاشاً مشروعاً حول موقعه السياسي المحلي قبل الاستحقاقات الجماعية المقبلة، يجعله معطى سياسياً جديداً سيكون حاضراً في حسابات حزبه الأحرار عند التحضير للاستحقاقات المقبلة.
فبعد خمس سنوات كان خلالها رئيساً للمقاطعة ونائباً برلمانياً عن الدائرة، جاءت صناديق 23 شتنبر برسالة رقمية يصعب تجاهلها: أوطاس لم يفقد مقعده البرلماني فحسب، بل فقد أيضاً الجزء الأكبر من الرصيد الانتخابي الذي أوصله إلى مجلس النواب سنة 2021.
من أرشيف [عبد الرحيم وطاس]


التعاليق