هل تتحول السعودية إلى ايران القرن 21
حينما أطلق محمد بن سلمان رؤيته 2030، لم تكن المسألة اقتصادية فقط، بل اجتماعية/ثقافية قبل كل شيء. فتح دور السينما، سمح بالحفلات الصاخبة، قام بتقليص سلطة الشرطة الدينية، وفرض تمكين النساء من مجالات كانت مغلقة لعقود، خطوات حظيت بتغطية إعلامية كاسحة، واحتفاء دوليا صاخبا، باعتبارها لحظة انعتاق في بلدٍ اشتهر “بالجمود والتشدد”، كما يحلو للغرب وصفه. لكن السؤال الذي يتجاهله الكثيرون، وربما لا يريدون طرحه، هو:
هل هذه التغييرات تعبّر فعلاً عن تحوّل اجتماعي داخلي؟ أم أنها تغييرات مفروضة من فوق؟ وهل يمكن لمجتمع لم يُشرك في مسار التغيير، أن يحتضنه ويصونه؟من منظور تاريخي،
التجربة الإيرانية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي تقدم نموذجًا بالغ الدلالة.ففي سبعينيات القرن الماضي، سعى الشاه إلى تحديث إيران بطريقة قسرية من الأعلى: • فرض الحداثة بمظاهرها الغربية، • قمع المؤسسة الدينية، • تبنّى خطابًا استعراضياً حول تحرير المرأة والعقلانية والانفتاح.لكن النتيجة لم تكن مجتمعًا حداثيًا متوازنًا، بل مجتمعًا ممزقًا بين واجهتين: واحدة رسمية “منفتحة”، وأخرى اجتماعية “صامتة” تُراكم الرفض والتوتر.وفي لحظة تاريخية فارقة، انفجر هذا التوتر في شكل ثورة دينية طاحنة، أعادت إيران إلى مربع مختلف تمامًا: من الحداثة الشكلية إلى التديّن المتشدد المغلق.وهذا بالضبط ما يُخشى أن يتكرر في الحالة السعودية، ولو بأشكال مختلفة.فمن وجهة نظر التحليل السوسيولوجي كل تغيير مفروض يؤدي إلى احتمال خطر الارتداد، فعلماء علماء الاجتماع (مثل بيير بورديو وآلان تورين) يشيرون إلى أن التغيير الاجتماعي لا ينجح إلا إذا نبع من ديناميات داخلية وشارك فيه الفاعلون الاجتماعيون أنفسهم: الأسر، المساجد، المدارس، النقابات، النخب الثقافية، والمجتمع المدني.أما حين يُفرض التغيير بقوة رأس المال والدولة والإعلام، دون أن يترافق مع حوار اجتماعي، ونقاش عمومي، وتدافع فكري حقيقي، فإنه يبقى هشًا، قابلًا للرفض أو الانفجار، خصوصًا إذا كان الناس يعيشون ازدواجية سلوكية ونفسية بين ما يُطلب منهم علنًا، وما يعتقدونه ويعيشونه في الخفاء.وهذا ما يظهر بوضوح في: • تناقض الخطاب الرسمي مع القيم السائدة في الطبقات الوسطى والدنيا؛ • التحوّلات السريعة في شكل المجتمع، دون تحوّل حقيقي في بنيته التعليمية والدينية والثقافية؛ • استيراد نماذج غربية دون تفكيك حقيقي للبنية التقليدية أو بناء سردية محلية للتحديث.في تجارب مماثلة كثيرة تحول الدين إلى قوة جذب وملاذ في وجه التغيير السطحي فلم يكن الدين وحده سببًا في الردة إلى الوراء، بل كان ردّة فعل على محاولة اقتلاع المجتمع من جذوره بشكل قسري. الدين يصبح حينها ملاذًا للهوية، ومساحة للاحتجاج، وأداة لاستعادة “الذات” التي شعر الناس أنها تلاشت في زحام القرارات الصادرة من المكاتب العليا.ففي كل مرة يتم فيها التعامل مع التديّن على أنه عدو يجب سحقه، بدل أن يُفهم كظاهرة اجتماعية معقدة، ينتهي النظام إلى إنتاج تطرف أشد مما حاول محوه.لذلك من وجهة نظر متواضعة ومعتدلة ارى ان السعودية اليوم تقف عند مفترق طرق: • إما أن تواصل تحديثها بمنطق “الحدث الإعلامي” و“الانفتاح الاستعراضي”، دون احتضان حقيقي للنقاش المجتمعي وتحوّل بطيء ومتدرج للثقافة. • أو أن تدرك أن أي حداثة حقيقية لا يمكن أن تتم دون بناء عقد اجتماعي جديد، يتأسس على الحوار، لا الأوامر، وعلى التراكم لا القفزات، وعلى قناعة الداخل لا بهرجة الخارج.فالتاريخ علّمنا أن التحول الاجتماعي لا يُستورد… بل يُبنى.والتغيير الذي لا يجد له جذورًا في المجتمع، سهل أن يُقتلع… في أول ردة فعل، والأخطر ان تشهد هذه الردة عنفا يهدم الدولة السابقة، ويبني على أنقاضها دولة جديدة.
التعاليق