نواب متابعون أمام “الملك”
أن يحضر برلماني أو مسؤول سياسي متابع قضائيًا جلسة افتتاح البرلمان بحضور الملك، ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل صورة سياسية تختزل علاقة الدولة بالمبدأ الأخلاقي داخل الممارسة العامة.
فحتى لو كانت المتابعات ما تزال في طور التقاضي ولم تصدر فيها أحكام نهائية، فإن الرمزية في هذه اللحظة تتجاوز النص القانوني إلى ما هو أعمق: إلى سؤال الثقة.
في الديمقراطيات الراسخة، تُعتبر قرينة البراءة حقًا لا جدال فيه، لكنها لا تُفهم هناك كما تُفهم عندنا. فالدولة الحديثة لا تخلط بين الحق الفردي في البراءة القانونية والواجب السياسي في تحمّل المسؤولية الأخلاقية.
حين يُتابَع نائب أو وزير في قضية فساد، لا يُدان تلقائيًا، لكنه غالبًا يُوقف عن ممارسة مهامه مؤقتًا، لا لأن القانون فرض ذلك، بل لأن المبدأ السياسي يقتضي أن لا يُستعمل المنصب لتأثير أو ضغط أو تشويش على القضاء، ولا لأن الشبهة إدانة، بل لأن المصلحة العامة تسبق المصلحة الشخصية.
أما عندنا، فيبدو أن الخلط بين القانون والأخلاق أصبح قاعدة.
يُرفع شعار قرينة البراءة ليُغطّي غياب الحس السياسي، ويُستعمل كذريعة للاستمرار في الواجهة رغم أن المصداقية السياسية أول من يتضرر. وكأننا أمام منطق يقول: “طالما لم يصدر الحكم بعد، فلن يتغيّر شيء”، مع أن ما تغيّر فعلاً هو نظرة الناس إلى المؤسسة نفسها.
في التجارب الديمقراطية التي تحترم مواطنيها، الاشتباه وحده كافٍ لإبعاد المسؤول مؤقتًا، لا نكاية فيه، بل حفاظًا على هيبة المؤسسات وثقة المواطنين فيها. فالأحزاب هناك تعرف أن الرأسمال الأهم في السياسة هو الثقة، وأن خسارتها أخطر من أي مقعد أو حقيبة.
لهذا ترى الاستقالة أو التجميد في أوروبا وآسيا وأمريكا تُمارس كعرف سياسي نبيل، لا كعقوبة، لأن الدولة تفهم أن الشفافية لا تنتظر الحكم، بل تصنعه.
البرلمان، في النهاية، ليس مجرد قبة تُفتتح بخطاب، بل مرآة للمجتمع السياسي الذي نريده: إما أن يُبنى على المسؤولية والمساءلة، أو أن يُترك ليغرق في تبرير “الشك المشروع” باسم قرينة البراءة.
وما دام الشك وحده قادراً على ضرب الثقة، فإن السكوت عنه أخطر من التهمة نفسها.
التعاليق