إفادة
إفادة
الخميس 20 أغسطس - 06:54

نقل 500 قاصر من سبتة إلى إسبانيا يثير مخاوف من «عامل الجذب» ويصعب عمل المغرب

تدخل تداعيات موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة مرحلة جديدة، مع استعداد الحكومة الإسبانية لنقل نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة بذويهن إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، في خطوة تفرضها، وفق مدريد، اعتبارات حماية الطفولة والضغط على مرافق الاستقبال بالمدينة، لكنها تفتح في المقابل نقاشا بشأن تأثيرها المحتمل على جهود المغرب لمنع محاولات العبور غير النظامي.

وتعمل وزارة الشباب والطفولة الإسبانية على إيجاد ترتيبات عاجلة لنقل القاصرات اللواتي وصلن إلى سبتة خلال أحداث 30 و31 يوليوز الماضي، وسط بحث خيارات لاستقبالهن في مناطق مختلفة من إسبانيا، في ظل صعوبة استمرار التكفل بهن داخل المدينة.

غير أن القضية تجاوزت سريعا بعدها الإنساني لتتحول إلى موضوع سياسي داخل إسبانيا، خصوصا مع بروز تخوفات من أن يؤدي نقل القاصرين الذين يصلون إلى سبتة نحو شبه الجزيرة إلى تكريس تصور لدى المرشحين للهجرة بأن النجاح في الوصول إلى المدينة قد يشكل خطوة أولى نحو الانتقال إلى الداخل الإسباني.

خلاف إسباني حول العودة إلى المغرب

وتجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام معادلة قانونية وسياسية معقدة؛ إذ يتمتع القاصر غير المصحوب بحماية خاصة، ولا يمكن التعامل مع إعادته بالطريقة نفسها التي يجري بها التعامل مع المهاجر البالغ الموجود في وضعية غير نظامية.

كما أن أي عملية لإعادة القاصرين إلى المغرب يفترض أن تراعي مصلحتهم الفضلى، وأن تخضع لدراسة أوضاعهم بشكل فردي والتحقق من شروط استقبالهم وإمكانية إعادتهم إلى أسرهم.

وفي المقابل، تحول الملف إلى نقطة خلاف سياسي داخل إسبانيا، بعدما عارض الحزب الشعبي نقل القاصرات إلى شبه الجزيرة، مطالبا بإعادتهن إلى المغرب باعتباره بلدا آمنا، بينما تتمسك الحكومة بأولوية توفير الحماية لهن وتخفيف الضغط الاستثنائي الذي تواجهه سبتة.

ويضع ذلك مدريد أمام سؤال دقيق: كيف يمكن حماية القاصرين الموجودين تحت مسؤوليتها القانونية دون تحويل الانتقال من سبتة إلى شبه الجزيرة إلى نتيجة متوقعة بالنسبة إلى من ينجح في العبور؟

مخاوف من إضعاف جهود المغرب

وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، الذي رفع خلال الأسابيع الأخيرة مستوى التعبئة الأمنية في المناطق المحاذية لسبتة ومليلية، للتصدي للدعوات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم عمليات عبور جماعية جديدة.

وتراهن سياسة الردع، إلى جانب الانتشار الأمني، على تقليص الاعتقاد بأن الوصول غير النظامي إلى سبتة أو مليلية يضمن بالضرورة الاستقرار داخل الأراضي الإسبانية.

ومن هذه الزاوية، يثير قرار نقل مئات القاصرات إلى شبه الجزيرة مخاوف من إمكانية إنتاج ما يعرف في النقاش الإسباني بـ«عامل الجذب»، أي تشجيع آخرين بصورة غير مباشرة على تكرار المحاولة أملا في الوصول لاحقا إلى الداخل الإسباني.

كما يفسر ذلك تشديد الرباط على أهمية تفعيل آليات العودة، بما فيها إعادة القاصرين غير المصحوبين إلى أسرهم متى توفرت الشروط القانونية اللازمة، حتى لا يتحول النجاح في دخول سبتة إلى مسار شبه مضمون للوصول إلى أوروبا.

إسبانيا تحتاج إلى الهجرة..

ويأتي هذا الجدل في ظل مفارقة ديموغرافية واقتصادية تواجه إسبانيا. فالبلاد تسعى إلى الحد من الهجرة غير النظامية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المهاجرين لدعم سوق الشغل في مواجهة انخفاض معدلات الولادة وشيخوخة السكان.

فالصورة تصبح أوضح على المدى المتوسط والطويل. فالمعطيات الديموغرافية الإسبانية تجعل الهجرة أحد العناصر الأساسية للحفاظ على حجم السكان في سن العمل وتوفير اليد العاملة التي يحتاج إليها عدد من القطاعات.

ومن هنا تظهر مفارقة السياسة الإسبانية تجاه الهجرة: مدريد تحتاج اقتصاديا إلى المهاجرين، خصوصا الشباب، لكنها تريد أن يتم دخولهم عبر مسارات قانونية ومنظمة وقابلة للتحكم، وليس بواسطة موجات عبور جماعية يصعب تدبيرها.

سبتة ليست فقط أزمة استقبال

وتزيد أعداد الوافدين خلال أزمة نهاية يوليوز الضغط على هذه المعادلة؛ إذ وجدت السلطات الإسبانية نفسها أمام تحدي توفير الإيواء والرعاية لآلاف الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة، ما دفعها إلى البحث عن منشآت إضافية وإعادة توزيع جزء من الموجودين في سبتة.

ولا يتعلق الأمر بالنسبة إلى مدريد فقط بكلفة الاستقبال، بل أيضا بالقدرة على إدارة الحدود دون أن تتحول المدينة إلى نقطة عبور دائمة نحو شبه الجزيرة.

فإسبانيا تريد استمرار التعاون المغربي القوي في منع الهجرة غير النظامية، بينما يهم المغرب أن تكون الإجراءات المتخذة على الجانب الإسباني منسجمة مع الجهد المبذول على الجانب المغربي، وألا تؤدي القرارات اللاحقة للعبور إلى تشجيع محاولات جديدة.

معادلة تحتاج إلى إعادة ضبط

وتكشف قضية القاصرات الـ500 بذلك عن إشكالية أوسع من مجرد تدبير أزمة إنسانية داخل سبتة.

فكلما ترسخ الاعتقاد بأن الوصول إلى المدينة يمكن أن ينتهي بالانتقال إلى شبه الجزيرة، يمكن أن ترتفع جاذبية هذا المسار لدى بعض المرشحين للهجرة. وفي المقابل، لا تستطيع إسبانيا قانونيا إعادة القاصرين بصورة آلية أو جماعية دون مراعاة الضمانات المرتبطة بحماية الطفل.

وتضع هذه المعادلة التعاون المغربي الإسباني أمام ثلاثة رهانات متداخلة: حماية القاصرين، والحفاظ على فعالية الردع على الحدود، ومنع تحول سبتة ومليلية إلى بوابتين للهجرة نحو الداخل الأوروبي.

وفي العمق، تكشف الأزمة عن تناقض أكبر تواجهه أوروبا وإسبانيا تحديدا؛ فهي تحتاج إلى الهجرة لمواجهة الشيخوخة الديموغرافية ونقص اليد العاملة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى التحكم في طرق الوصول إليها.

أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان يتمثل في ألا تصبح سياسته المشددة لمنع العبور جزءا من معادلة يتحمل فيها الجانب المغربي الجزء الأكبر من كلفة ضبط الحدود، بينما تبقى نتيجة الوصول إلى سبتة بالنسبة إلى بعض المهاجرين هي الانتقال لاحقا إلى شبه الجزيرة.

لذلك سيكون مستقبل آليات إعادة القاصرين، إلى جانب فتح قنوات قانونية للهجرة والعمل، من الملفات الأساسية في تحديد شكل التعاون بين الرباط ومدريد بعد أزمة يوليوز؛ خصوصا أن استمرار الفجوة بين سياسة المنع قبل الحدود وسياسة الاستقبال بعد تجاوزها قد يجعل إدارة الهجرة أكثر صعوبة بالنسبة إلى البلدين.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من سياسات دولية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق