نقل مطرح نفايات جديد إلى المجاطية.. حل ترقيعي يُعيد مأساة ساكنة اقليم مديونة
في قرار يثير الاستغراب ويطرح تساؤلات كبرى حول الرؤية الاستراتيجية لتدبير النفايات في جهة الدار البيضاء-سطات، تم الموافقة على إنشاء مطرح جديد للنفايات بمنطقة المجاطية أولاد طالب، في إقليم مديونة، وهو القرار الذي يعتبره العديد من المتتبعين تكرارًا لنفس الأخطاء الكارثية التي ارتكبت في ملف مطرح مديونة القديم، الذي لطالما شكل نقطة سوداء في محيط العاصمة الاقتصادية.
الموقع الجديد المزمع تحويله إلى مطرح مراقب ومركز لتثمين النفايات يقع على عقار مملوك للجماعة السلالية المجاطية، وتصل مساحته إلى حوالي 260 هكتارا، ويبعد فقط كيلومترات قليلة عن موقع المطرح السابق، بل يقع في منطقة تشهد توسعًا عمرانيًا هائلًا يُتوقع أن يتسارع خلال السنوات العشر المقبلة.
منطق بيئي مقلوب يكرر مأساة مديونة
في الوقت الذي كان من المنتظر أن يُنقل موقع تدبير النفايات بعيدًا عن الكتلة الحضرية والسكان، تم اعتماد حل سهل وسريع بتوسيع نفس الأزمة نحو موقع قريب، بدل التفكير في توزيع النفايات بشكل جهوي، أو إحداث حلول بعيدة المدى تعتمد على التقنيات الحديثة، وإعادة تدوير النفايات بشكل فعلي ومربح.
القرار يعكس منهجية ترقيعية قصيرة النظر، تضع التسيير الآني فوق الاعتبارات البيئية والاجتماعية والصحية، ضاربة عرض الحائط كل التوصيات الدولية والوطنية التي تنادي بإنشاء مطارح بعيدة عن السكان وداخل نطاقات صناعية معزولة، أو تحويل نظام التثمين إلى وحدات معالجة لا مركزية.
وعانى سكان جماعات مديونة والنواصر لسنين من روائح كريهة وأمراض تنفسية مزمنة، وانتشار الحشرات وتدهور جودة الحياة بسبب مطرح مديونة. واليوم، يُعاد إنتاج نفس الكارثة في موقع لا يقل حساسية، ومرشح بدوره ليصبح منطقة سكنية وتجارية نشطة خلال العقد المقبل.
المثير أن القرار الجديد جاء رغم رفض سابق من اللجنة المكلفة بتفويت العقارات السلالية، التي عبرت بالإجماع عن عدم موافقتها على المشروع، قبل أن يتم تجاوزه بطرق إدارية لاحقة مكنت جماعة الدار البيضاء من وضع اليد على العقار، في خطوة يُنظر إليها على أنها التفاف على الإرادة المحلية والمجتمعية.
تجاهل للاحتجاجات وسوء تدبير
السلطات الوصية، وعلى رأسها جماعة الدار البيضاء ووزارة الداخلية، تتجاهل الأصوات الرافضة لهذا المشروع في صيغته الحالية، والتي تنادي بضرورة وضع رؤية جهوية متكاملة لتدبير النفايات، والابتعاد عن الحلول الظرفية التي سرعان ما تتحول إلى كوارث بيئية مزمنة.
وفيما يتم الإعلان عن تحويل مطرح مديونة القديم إلى “منتزه بيئي” بمساحة 50 هكتارًا، فإن المنطقة تُقدم على طبق من ذهب مرة أخرى لتستقبل كارثة جديدة بنفس المنهج القديم، وبدون ضمانات حقيقية لعدم تكرار نفس الأخطاء.
يبقى السؤال المطروح اليوم: كيف يمكن الحديث عن تنمية عمرانية ضخمة في المجاطية ومديونة، في حين يتم تحويلها إلى مكب جديد لنفايات العاصمة الاقتصادية؟ وهل نحن أمام تصور يكرّس الهشاشة البيئية لمناطق الأطراف، أم أن الأمر مجرد تحايل على الساكنة بإعلان مشاريع مؤقتة لتثمين النفايات سرعان ما تتحول إلى مطارح مفتوحة لا تخضع لأدنى المعايير الدولية؟
الواقع أن مدينة كالدار البيضاء، بحجمها وميزانيتها، كان يفترض أن تكون رائدة في إدارة النفايات وفق نموذج ذكي ومستدام، بدل اللجوء إلى نسخ نفس الفشل في موقع جديد، وبكلفة بيئية واجتماعية أكبر.
إن الساكنة المحلية والمجتمع المدني مطالب اليوم برفع الصوت والتصدي لهذا القرار غير المبرر، قبل أن تتحول المجاطية إلى مديونة ثانية، في نسخة أكثر تدهورًا، وأقل عدالة بيئية.
التعاليق