سعيد تمام
سعيد تمام
الأحد 12 أكتوبر 2025 - 12:03

مَقالَة في الإِقَــــــالة والاستِقَـــالَة

راجَ خلال الأسبوع الأول من احتجاجات شباب “جيل Z” مطلب دستوري يقضي بإقالة الحكومة أو استقالتها، وهو المقتضى الذي كان من مطالب المُحتجين في الوثيقة التي نشروها بتاريخ 3 أكتوبر 2025 قبل أن “تتبنّاه” فئة من السياسيين، في المعارضة البرلمانية أو غير الممثلة في البرلمان، والحقوقيين والجامعيين.

وحيث إن “إقالَة” الحكومة أو استقالتها مُكنةٌ دستورية تفرضها وقائع وشروط سياسية، بمعنى أن هذه المُكنة تَكون في جميع الحالات نتيجة لتلك الوقائع والشروط وليست إجراء اختياريًا يُمكن تفعيله كجواب مشاعر وعواطف أو انفعالات في لحظة توتر أو ارتباك في التدبير العمومي.

وغنيٌّ عن البيان، أن اختيار الإقالة المباشرة لرئيس الحكومة، أو الحكومة بكاملها، (رغم توفر الملك على مُكنة إعفاء عضو أو أكثر من أعضائها) حلٌّ مُعدَمٌ بدستور 2011 وهو مكسب إصلاحي ينتصر لمبدأ الديمقراطية التمثيلية التي تربط تشكيل الحكومة والبرلمان بالانتخابات المباشرة وإنهاءها يكون بنفس الوسيلة وبالتالي التدخل الملكي بإجراء “الإقالة” أو “فرض” الاستقالة يَكونُ استثناء وهذا الاستثناء بدوره مقيّد دستوريا وتلك إحدى أهم صور تقليص صلاحيات الملكية التنفيذية كما كانت بأحكام دستور 1996 والدساتير الأربعة التي سبقته.

علاوة على ذلك، فإن مطلب استقالة الحكومة يتعيّن أن يكون دالًّا عن حالة فراغ سياسي أو مؤسساتي تام يستحيل فيها على الحكومة القيام بمهامها كما هي محددة بالدستور والقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغالها والوضع القانوني لأعضائها، مثل فقدانها للأغلبية أو بسبب باقي الحلول الدستورية الأخرى (الفصول 103 و104 و105) وهذا الوضع لم يكن موجودًا ولم ينتج عن الاحتجاجات وبالتالي اختيار الاستقالة، كحل دستوري، بدوره لا يتعيّن أن يكون جوابًا سياسيًا لا تفرضه شروط ووقائع سياسية.

وحيثُ إن الإقالة أو الاستقالة، إجراء دستوري احترازي يتم بموجبه إعلان فشل الحكومة في تنفيذ برنامجها الذي بموجبه اكتسبت ثقة مجلس النواب وأيضًا إعلان عن وجود أزمة تُهدد الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين والتعهّدات الدولية للملكة، فإن هذا الإجراء، ولئِن يُجسّد علاجًا فإنه يَكون مثل العلاج بالكيّ، لا بُد أن تكون له كُلفة سياسية لاسيما وأن الولاية التشريعية في عامها الأخير، بل تم الشروع فعليًا في التحضير للانتخابات التشريعية لسنة 2026 من قِبل وزير الداخلية بتكليف من الملك بموجب خطاب الذكرى 26 لعيد العرش في 29 يوليو الماضي.

لذا، فإن مُطالبة الملك بإقالة الحكومة أو دعوتها إلى تقديم استقالتها، وإن يبقى حقّا في نطاق التعبير عن الاحتجاج على سير أشغالها ووفائها بالتزاماتها، فإنه لن يَكون أفضلَ الحلول الدستورية، وبالتالي اختيارا تُضعِفه حُجة تقدير الزمن السياسي، خصوصا وأنها سَتَكُون ملزمة بتصريف الأمور الجارية وهو وضعٌ أسوأَ من أن تستمر في تحمُّل مسؤوليتها طبقًا للقواعد الدستورية العادية. وهذه الحجة هي التي استند إليها الملك في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة لمّا دعا أعضاء مجلسي البرلمان (لاسيما أعضاء مجلس النواب) إلى تكريس هذه السنة الأخيرة “للعمل بروح الجدّية والمسؤولية، لاستكمال المخططات التشريعية، وتنفيذ البرامج والمشاريع المفتوحة، والتحلي باليقظة والالتزام، في الدفاع عن قضايا المواطنين”.

إن الذين لازالوا ينتظرون من المَلِك هذا الحل الدستوري (الإقالة أو الاستقالة) تُجاه حكومة شارفت على نهاية ولايتها، يُفتَرض أنهم فهموا رسائله بهذا الشأن، وهو ليس انتصارًا للحكومة ولا صدّا لتعبيرات الشباب وإنما تتشبّثٌ ملكي بالحلول الدستورية العادية التي يُمارس فيها المواطنات والمواطنين اختياراتهم بالتصويت في الانتخابات وليس الاستثنائية التي لم تفرضها شروط أو وقائع تُهدد الاختيار الديمقراطي.

ترتيبًا على ما سبق، فإن الإقالة أو الاستقالة، حتى وإن تتوفر شروطها فلن تَكون ترياقًا لجسم سياسي منهَك تماما، ما لم تتغيّر العقليات، كما قال بذلك المَلك، لاسيما عقليات المُدبّرون العموميون، مُنتخَبون أو موظفًون، وعقليات فئات واسعة من المواطنات والمواطنين الذين يتعيّن عليهم اختيار الأصلح لتدبير شؤونهم وتمثيلهم فهذه الجماعة الترابية أو هذا البرلمان وهذه الحكومة ما هم إلا نتيجة لاختياراتنا جميعًا.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق