السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣

مونديال قطر:اللعبة -الجِدّ

الأربعاء 30 نوفمبر 18:11

جمال فكري

كلما حلّ المونديال إلا و أتت معه ريح جديدة تحرّك العالم برُمَّته و تَطبَعُ البلدَ المنظِّم و تجعله قِبلة تَهْوي إليها أفئدة المُولَعين بكرة القدم في كل الربوع و الأمصار و المداشر و الأصقاع، أخذا بالمتابعة المباشرة داخل البلد المنظّم أو المتابعة عبر التّلفاز أو عبر المذياع.
الآن جاء مونديال قطر،جاء و العالم يعرف حربا إقليمية بين الجارتين: “روسيا” و “أوكرانيا”،هي في جوهرها إمتداد للحرب الباردة التي إسْترسلتْ لسنوات بين “الإتحاد السوفياتي” و “الولايات المتحدة الأمريكية” سابقا، أنقصتْ بُرودتَها حرارةُ بعض الصواريخ، هنا و هناك، التي تريد فقط أن تَفرض هيبةً “سْتالينية” و تؤكد للجهات المُناوِئة لدولة “روسيا” أن هذه الأخيرة قادرة على أن تُخَلخِل التوازن الإقتصادي العالمي بِرُمّته و أن هذا الأمر هو بإختيارها و لا يحتمل التأويل..

جاء هذا المونديال أيضا و العالم لم يخرج بعدُ من براثِن “كوفيد 19” الذي حصد حياة العديدين و أنهكَ أعْتى الإقتصادات العالمية الكبرى، إذ سُجّل أقوى ركود إقتصادي لم يحصل لسنوات عديدة،ناهيك عن التوابع الإجتماعية السلبية التي همّتْ التركيبة الأسرية و الحالة النفسية للأشخاص على مستوى الجنس و الأعمار..

لذلك، يمكن القول بأن مونديال قطر هو المتنفس الوحيد الذي أتى بعد عيشة ضَنْكى كادت أن تَعْصِفَ بكل مُذّخَرٍ مادي و لا مادي على السواء.

تجدرُ إشارتُه، أن التّكلُفة المادية لهذا المونديال، التي أَعلنتْ عنها رسميا دولة قطر، هي 200 مليار أورو.
أرقام خيالية و تنظيم مُحْكم و كرمٌ حاتِمي و ملاعبُ أُوتِيَتْ من كل شيء، تِلْكْم هي تفاصيل هذا المونديال الأسطوري الذي أَبْهَر جميع المتتبعين.

يشهد على ذلك التقنيات و البِنيات التّحتية التي راعَتْ الجانب الخدماتي و النفسي للزُّوار بدقة متناهية، ساهمت فيها كَوادِرُ و مهندسون و عُمّال من مختلف بقاع العالم، تَيْسيراً لوضعِ بصمةٍ قطرية تتعدى “كينونة المونديال الصِّرفة” إلى ما سِواه، من دعايةٍ سياحية و جَلْبٍ لرؤوس الأموال قصد الإستثمار في “جنة الأرض الموعودة قطَر” القُطْرُ الواعِد..
فالأكيد أن القطريين راهنوا على هذا المونديال بشكل دارِس و مُقَعَّد له سَلَفاً،ليس هناك مجالٌ للصدفة. فَواهمٌ مَنْ يعتقدُ أنّ تنظيمَ قطَر لهذا المونديال تَفتَّقَ هكذا جُزافا،فقد بات مؤكدا أنَّ كلَّ شيء فُصِّلَ تفصيلاً و ما سَيَجْنيه هذا “البلد الصغير” في الأعوام القليلة القادمة سيكون أضعافا مُضاعفة عَمّا عَرَفَتْهُ تكلُفة مونديال 2022،لأن المحطة ليست هي المونديال بالتأكيد،لكن المحطة الحقيقية هي محطة البلد بسائر إنتظاراتِه و أَجَنْداتِه وِفْقَ رُزْنامات زمنية مضبوطة لن تخلِفَ وعدَها قطْعا مع التاريخ.
فإذا ما رجعنا شيئا ما إلى الوراء،سنجدُ أن “قطَر” ،و هي الغنيةُ بالموارد الطاقية،لم تكنْ لِتتبوّأ مكانةً مرموقة عالميا و تُصبحَ رقماً صَعْبا إلا بمُصاحَبة إعلامية مؤثِّرة كقناة الجزيرة،القناة التي إِشْرَأَبّتْ لها أعناق الكثيرين عبر العالم بالنظر إلى الإستثمار الهائل الذي خَصَّصَتْه دولة قطر،في شخص أميرها “حَمَد” آنذاك، الذي راهن في بادئ الأمر على إعلامٍ إقليمي أخّاذٍ(captif) بديل عن CNN، يُدَجِّنُ به فِكْرَ منطقة الخليج و يأخذُها إلى عوالِم وِفْقَ “بْرُوبَغَانْدَات” سَطَّرَتْها بعناية فائقة مكاتبُ تابعة لإذاعة
“صوت أمريكا :
“the voice of America
غالبا ما تحمل حروفا مقطعة:J.A هي بإختصار لمكاتب التواصل:Boites de com “أحمد جبريل” الراعي الأول لصحافيي قناة الجزيرة و الذي تمرَّسَ لسنواتٍ في كَنَفِ إذاعة “صوت أمريكا” رائدة بروبغندا الحرب العالمية الأولى و الثانية بإمتياز!
للإشارة فقط،فإن قناة الجزيرة تأسست على يدِ الأخوين اليهوديين “جون و دفيد فريدمان:
John et david freedman
و تم الإتفاق على أن يُسَلِّما القناة بعد خمس سنوات للدولة القطرية مقابل مبلغ مالي قدرُه 300 مليون دولار. و كذلك كان،حيثُ إنتهتْ الصفقة تَبَعاً لِما إتفقتْ عليه الأطراف المعلومة..
قد يقول قائل بأن هذا التحليل مُغْرقٌ في نظرية المؤامرة،لكنّ الغاية من سرد كرونولوجيا الأحداث هي تِبيانُ أن “قطر” أضْحَت منذ سنوات عدة-تحديدا منذ حرب الخليج الأولى- دولة قائمة على إستراتيجيات و “برامج كبرى،Mega projets”، تُؤسس لدولةٍ حديثة بمنطقة الشرق الأوسط و تَعِدُ بالرٍيادة السياسية و الإقتصادية “عالميا”.و ما إنتزاعُ تنظيمِ كأس العالم 2022 إلاّ ضَرْبٌ من هذا التصور العام لدولة قطر التي صارت كلمتُها مسموعةً و تُحدثُ وَقْعاً خاصا في آذان أصحاب القرار داخل المنتظم الدولي،السياسيون منهم و الإقتصاديون و الإعلاميون و حتى مراكز البحوث، التي تؤطر لتلميع صورة قطر دوليا، إعتمادا على مؤشرات علمية دقيقة و لها مصداقية، ظاهرُها أرقام و باطنُها سعْيٌ حَثِيثٌ لترسيخِ سياسات قطر الإقليمية و الدولية،في تسخير تام لخبراءَ و أكاديميين و مؤثّرين على أصناف تخصّصاتهم و الحقول المعرفية التي يَخْبِرون دَهاليزَها و يستشرفون الآفاق المستقبلية بها، تَبَعاً للدراسات و الأبحاث التّوقُّعية التي يسهرون على إعدادها..
من كل هذا و ذاك،فإن مونديال 2022 كان منذ الوهلة الأولى هاجسا إستشرافيا لِقطَر قويةٍ و واعِدةٍ،يشهد على ذلك اللوجستيك و التسخير الباذخ لكل الإمكانيات المادية و البشرية، الممكنة و “غير الممكنة” لإخراجه بالشكل الذي هو عليه..
و لم يَخْلُ هذا المونديال من مفاجآت و رسائل عديدة،كان أبرزها هو الفريق 33 ،بالرغم من أن الفرق المشاركة هي فقط 32 فريقا،ألا و هو المشاركة الرمزية لدولة فلسطين التي كانت حاضرة بقوة،إذ أن كل الجمهور العربي ما فتئ يردد و يُذكّر بالقضية الفلسطينية و يرفع علمَها في جميع المقابلات و حتى خارج الإطار الكروي و هذا شيء يجب تسجيلُه و وضعُه في منزلة “هام جدا”..
نسجل كذلك فرضَ قطر لعدة تدابير تتعلق بالمونديال إرْتَأَتها أساسية و جعلت “إمبراطورية الفيفا” تنخرط معها في تطبيقها،بل و تَنْبَري كذلك للدفاع عنها! ما يفسر أن قطر صارت لها كلمة مسموعة داخل الهيآت و مراكز القرار الدولية و أنها ليست رقما على الشمال كما يعتقد البعض..
من نافلة القول كذلك التأكيد على أن مونديال قطر 2022 جاء قُبَيل السنة الميلادية بقليل،و هو ما يوحي برمزية كبيرة تتمثل في الإعلان عن ميلاد دولة عظمى، هي من دون شك دولة قطر الحديثة..كل المؤشرات تقول ذلك..
فإنتظروا ..إنا معكم منتظرون..

أضف تعليقك

تعليقات الزوار 1

  1. سعيدة خالد2022-12-01 06:04:09الرد على التعليقتحليل جيد و فصاحة أروع. توضيح لمراحل ، لاهداف و رسائل موجهة للعالم من خلال هذا المونديال .

المزيد من مقالات

الإثنين ٢٠ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٢:٤٤

الدروس المستخلصة من حرب روسيا على أوكرانيا( 12)

الأحد ٠٨ مايو ٢٠٢٢ - ٠٨:٠١

إئتلاف مجالس دور الشباب… بين المصداقية و التطوع

الجمعة ٠١ أبريل ٢٠٢٢ - ٠٨:٣٤

مقاربة ملكية لتدبير أزمات المغرب الدولية

السبت ٠٦ أغسطس ٢٠٢٢ - ١١:٠٣

التنشيط في وزارة ثلاثية الابعاد “وزارة الشباب والثقافة والتواصل نموذجا “