الإثنين ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٢

موقف إمانويل كانط من عقيدة التجسيم وعقيدة التأويل

الأحد 28 أغسطس 21:08

عبد الرحيم بودلال

دار نقاش محتدم بين الفقيه الأصولي مولود السريري والسلفية النصوصية حول موضوع الذات الالهية بين التشبيه والتأويل، حيث يتلخص النقاش الكلامي في فهم يد الله ووجهه المنصوص عليهم في القرآن، ورؤية الله في الجنة هل تكون عيانا أم تجليا للمؤمنين. يتعلق كل هذا النقاش إما بقراءة حرفية للنص الديني وبالتالي إثبات الوجه واليد وإثبات رؤية الله، أو بتأويل النص كما لدى المعتزلة على أن اليد تعني القوة، والوجه يعني العِلم…

لكن يمكن الخروج من هذا المأزق القديم الجديد المتواصل من خلال التقسيم الذي قدمه إمانويل كانط لكل من العقل العملي والعقل الخالص ومن خلال مفهومي الشيء لذاته والشيء لغيره chose en soi et chose pour autre.

التفكير في الله يقتضي تكييفه مع الذات الانسانية ومع الطبيعة، حيث الاستدلال عليه يتم بواسطة اللغة ، فاللغة لا تحيل على فهم الذات الالهية مباشرة بل على تصورات وتمثلات ومفاهيم، فالعلاقة بين الذات الباحثة المؤمنة والذات الاهية هي علاقة إعتباطية وليست واقعية، في هذا يقول الأصوليون في موضوع الفتوى والحكم أنها أقرب إلى مراد الله وليست هي مراد الله، وفي العلوم الاجتماعية تسعى الاطروحات لمقاربة الواقع وليست هي الواقع ذاته، حيث التعبير عن الواقع يتم عبر نماذج علمية ونظريات وأنساق…
لهذا فالتفكير في الله هو تفكير مفتوح وليس مغلق، لكن عندما يتعلق بالمجال العام وبناء المشترك الانساني والنقاش العمومي فالموضوع مختلف، حيث يجب أن يخضع لقاعدة التقسيم بين العقلين النظري والعملي.
ضمن العقل العملي فإن التفكير في الله هو تفكير في الأخلاق التي تأسست عليها المجتمعات المسلمة، لهذا أراد المعتزلة قديما أن يكون الله عادلاً وذلك واجب في حقه، بينما رأت الأشاعرة أنه ليس بالضرورة أن يكون الله عادلاً، لهذا أولوا مسألة الشر ونسبوها لله لكن على أساس أن الشر هو خير أيضا في عمقه لأن الله لا يرضى لعباده المضرة…

إن الصراع حول الذات والصفات قديما هو صراع سياسي بالخصوص لأن مواصفات الله هي من يجب أن تتجلى في الحاكم، لكن مع كانط يمكن أن تستقل الأخلاق الاجتماعية والسياسية عن الله تعالى وعن الدين عموما، فيمكن للعقل أن يُولد الأخلاق، وقد فعل ذلك كانط عبر فلسفة الواجب.

لهذا كيف يجب أن نفكر في الله؟
قام كانظ بعزل الذات الإلهية أو الدين بصفة عامة عن النقاش العمومي، لكن لم يقل بنهاية الدين أو بتأويله لدين طبيعي كما فعل فلاسفة آخرين، بل جعل الله تفكيراً فرديا من خلال علاقة الدال بالمدلول، فلكل فرد تأويله الخاص للذات الالهية وكل فرد وتمثلاته ولكل مجتمع تصورات الخاصة التي تكونت فيه عبر سيرورة تارخية.
فضمن العقل العملي يجب التفكير في الله في حدود مجدر العقل، بأن يعطيه المؤمنون به قيمته في المجال العام المتعلقة بتحقيق الخير العام والاندماج وتقديس الدولة والحقوق وتقديس الواجب.
أما التفكير في الله في حدود العقل النظري فيعلق بتحقيق حرية الضمير وحرية التدين وحرية طلب الفتاوى الفردية،
لهذا في المجال العام علينا أن نفكر في الله بكل موضوعية وأن نجعله خارج ذواتنا وأن نضفي عليه المشترك الانساني والمواطنة والأمة، وهو الشيء لغيره. أما في المجال الخاص فإننا نستطيع أن نفكر في الله من خلال أنفسنا وأن نضفي عليه جميع الصفات الخاصة وأن نعبده وفق قناعاتنا الخاص وما تأسس عليه الهابيتوس من تنشئة.

باختصار حسب كانط؛ تتجاوز الميتافيزيقا حدود العقل وقدرات، وأي حديث عنها هو اسقاط لعالم الشهادة على عالم الغيب، وبالتالي تتحدد المعرفة التي يمكن أن نصل إليها في حدود مجرد العقل، فالحرية هنا منوطة بالعقل وحده إنه هو وحده من بإمكانه التفكير في المشترك واعتماده كمنهج واضح وليس اعتماد الدين، لهذا تم فصل الأخلاق عن الدين. وهو تفكير يمكن له أن يحرر الإنسان من أغلال اللاهوت والطبيعة. فحسب كانط ليس كل متدين متخلق ، بل المتخلق قد يصبح متديناً. حيث يعتبر العقل هو مصدر الحرية لأنه ينطلق من الأنا ويتمثلها كجوهر ثابت.

من هذا المنطلق يدعونا كانط لتجاوز النقاشات البيزنطية القديمة التي لا فائدة منها، ويجب على المسلمين أن يستعملوا العلوم الاجتماعية التي تقوم على العقل في استدلالاته وفي النقاش العمومي بدل النصوص الدينية، وأن يفكروا في الله في المجال العام في حدود مجرد العقل. ومع هابرماس فإن الدين لازال يمتكل مجموعة من الرموز المقدسة التي يجب علمنتها.
لكن كل هذا يحتاج لترسيخ أسس العلم الحديث في المجتمعات المسلمة ونقل العلوم الاجتماعية من يد الباحثين ونقلها من داخل الجامعات لتصبح متاحة وعمومية….

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الخميس ١٨ أغسطس ٢٠٢٢ - ١٠:٣٧

هل قرأ المعتدي على سلمان رشدي روايته “آيات شيطانية”؟

الثلاثاء ٢٨ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٢:٤٣

التوسع العمراني بسيدي بنور وإشكالية الصبغة الفلاحية؟

الأحد ٠٣ أبريل ٢٠٢٢ - ١٢:٣٨

الدروس المستخلصة من حرب روسيا على أوكرانيا ( 8 )

الأحد ١٠ أبريل ٢٠٢٢ - ١٠:٣٢

قفف رمضان في رحاب صاحبة الجلالة .. الأصل والفروع