من يحاسب وزير العدل؟
في الوقت الذي تعيش فيه الديمقراطيات الحقيقية على إيقاع المساءلة والرقابة والمؤسسات المستقلة، يواجه المغرب اليوم اختبارًا حاسمًا في نزاهة حكامه وشفافية مؤسساته، بعد تسريبات خطيرة تتعلق بوزير العدل الحالي عبد اللطيف وهبي. وثائق تم تسريبها من طرف حساب “جبروت الهاكر” تتهم الوزير بالحصول على قرض ضخم لشراء عقار فخم في حي السويسي، وبسرعة غير مفهومة تمكن من تسديده، ثم قام بمنحه في شكل “هبة” لزوجته بعد رفع الرهن، مع التصريح بقيمة مليون درهم فقط لعقار تتجاوز قيمته السوقية بعشرات المرات. إنها عملية قد توصف، إن ثبتت، بأنها جريمة مكتملة الأركان تتعلق بالتهرب الضريبي واستغلال النفوذ.
هذه الادعاءات لم يتم إثبات صحتها لحدود الساعة، ورغم أنها اتهامات وادعاءات خطيرة، قوبلت بسكوت الوزير المذكور. وسكوت حزبه. والحكومة التي ينتمي اليها. وسكتت النيابة العامة، التي يفترض أن تتحرك تلقائيًا في قضايا كهذه باعتبارها حامية للحق العام، لا أن تنتظر التعليمات أو ضغط الرأي العام. وحتى الصحافة الرسمية وبعض المنابر الكبرى التزمت صمتًا مريبًا، وكأن ما وقع لا يعنيها، أو كأن الموضوع يتعلق بموظف بسيط لا برجل يتولى حقيبة العدل في بلد يقول إنه يسير على درب الحكامة والشفافية.
في دول تُدار بحس ديمقراطي فعلي – حيث فصل السلط حقيقي، والنيابات العامة مستقلة، والصحافة سلطة رابعة لا خادمة للسلطة – كانت مثل هذه التسريبات كافية لفتح تحقيق عاجل، وتجميد مهام الوزير إلى حين اتضاح الحقيقة، وربما دفعه للاستقالة تلقائيًا تحت ضغط المؤسسات والرأي العام. فالمسؤولية في تلك الأنظمة ليست مرتبطة فقط بحكم قضائي نهائي، بل أيضًا بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية التي تُلزم الوزير بأن يبرر للرأي العام ممارساته، خاصة حين يتعلق الأمر بالمال العام وبالثقة العامة.
لكن في المغرب، حيث تتداخل السلطة بالمال، وتتشابك المصالح بين السياسة والامتيازات، يبدو أن الإفلات من المحاسبة صار القاعدة لا الاستثناء. لم نشهد أي لجنة برلمانية للتحقيق، ولا خرج حزب الأصالة والمعاصرة ليبرئ أو يحاسب أمينه العام السابق، ولا بادر الوزير المعني للخروج إلى الرأي العام لتقديم روايته. الأسوأ أن الحكومة نفسها تتعامل مع الموضوع وكأنه مجرد ضوضاء في الهامش.
هذه اللامبالاة المؤسساتية لا تمس فقط صورة الوزير، بل تقوّض ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسات. هي لحظة تكرّس الشعور بعدم المساواة أمام القانون، وتعمق الهوة بين الشعب ونخبه السياسية، وتغذي شعورًا عامًا بأن “العدل” في المغرب يُمارس على الضعفاء ويُعطل أمام الأقوياء.
فما يجب أن يحدث الآن لا يحتاج الى كثير من التفكير والتأني، ببساطة على الوزير ان يخرج إلى الرأي العام لتقديم توضيح مفصل ومدعّم بالأدلة، في نفس الوقت الذي تفتح فيه النيابة العامة تحقيق قضائي شفاف يحدد إن كانت هناك مخالفات ضريبية أو إدارية أو سياسية.
إن الصمت الرسمي ليس خيارًا. بل هو إعلان ضمني بأن السلطة فوق المحاسبة. وهذا خطر لا يمس فقط قضية وهبي، بل يهدد صورة المغرب الديمقراطية.
التعاليق