رشيد السمكي
رشيد السمكي
الخميس 01 أكتوبر - 06:26

من محمد الخامس إلى محمد السادس.. ما سرّ اختيار الدولة المغربية لرؤساء حكوماتها؟

منذ استقلال المغرب، تعاقبت على رئاسة الحكومة شخصيات شديدة الاختلاف في أصولها ومساراتها: أبناء أعيان وعائلات سياسية، رجال إدارة ودبلوماسية، تكنوقراط ورجال أعمال، زعماء أحزاب، وقادة خرج بعضهم من المعارضة والسجن والمنفى قبل أن يجد نفسه على رأس الجهاز التنفيذي للدولة.

لكن قراءة سبعين عاماً من رئاسة الحكومة باعتبارها سلسلة من الأسماء والولايات تخفي وراءها سؤالاً أكثر إثارة:
لماذا يحتاج النظام السياسي المغربي، في لحظات معينة، إلى نوع محدد من رؤساء الحكومات، ثم يحتاج في لحظات أخرى إلى نقيضه تقريباً؟

عند إعادة ترتيب التاريخ وفق هذا السؤال، يظهر نمط يستحق الانتباه.
في فترات الاستقرار السياسي، تميل رئاسة الحكومة غالباً إلى شخصيات راكمت مسبقاً شكلاً من أشكال القرب من الدولة: أصل اجتماعي أو عائلي مندمج في شبكات النخب، تجربة طويلة في الإدارة والدبلوماسية، نفوذ اقتصادي، أو علاقة ثقة تراكمت مع مركز القرار.
لكن في لحظات الأزمة السياسية الكبرى، عندما لا تعود المشكلة مجرد إدارة للسياسات العمومية وإنما تصبح أزمة ثقة أو تمثيل أو شرعية، يظهر نموذج آخر.

عبد الله إبراهيم سنة 1958.
عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998.
عبد الإله بنكيران سنة 2011.
ثم سعد الدين العثماني، باعتباره امتداداً للمرحلة التي افتتحها وصول العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة.

شخصيات مختلفة جذرياً في أفكارها ومساراتها وسياقاتها، لكنها تشترك في خاصية أساسية:
كان لديها رأسمال سياسي مصدره، بدرجات مختلفة، خارج شبكات الدولة التقليدية.

في الظروف العادية.. رجل تعرفه الدولة ويعرف الدولة

لفهم هذا النمط، ينبغي أولاً تحديد المقصود بما يوصف تقليدياً في المغرب بـ«المخزن».
فالأمر لا يتعلق بجهاز رسمي يحمل هذا الاسم، ولا بمجموعة ثابتة تجتمع لتوزيع المناصب، وإنما ببنية أوسع من شبكات السلطة والثقة والنفوذ المرتبطة بالمؤسسة الملكية والإدارة العليا والأعيان والنخب الاقتصادية والسياسية والمؤسسات الاستراتيجية للدولة.
ويمكن، مع التحفظ المنهجي الضروري، مقاربة جانب من هذه البنية بمفهوم «الدولة العميقة» إذا استُعمل بمعناه العلمي: أي الشبكات والمؤسسات والنخب المستمرة داخل الدولة، والتي تحتفظ بقدرتها على التأثير بصرف النظر عن تغير الحكومات والانتخابات.

داخل هذه البيئة يوجد نوعان من القرب.
قرب موروث تصنعه العائلة والمكانة الاجتماعية وشبكات الأعيان.
وقرب مكتسب يصنعه المرور الطويل عبر الإدارة العليا والدبلوماسية والمؤسسات العمومية والاقتصاد ومراكز صناعة القرار.
وفي الحالتين تحصل الدولة على ميزة سياسية مهمة: شخص تعرفه جيداً، يعرف قواعد النظام وحدوده، ولا يتطلب وصوله إلى رئاسة الحكومة إعادة تفاوض كبرى حول قواعد اللعبة.

لهذا لا تصبح الخلفية العائلية والاجتماعية لرؤساء الحكومات مجرد تفصيل بيوغرافي.
فالعائلة لا تمنح المنصب آلياً، لكنها تستطيع أن تمنح شيئاً آخر: التعليم، العلاقات، الرأسمال الاجتماعي، معرفة عالم الدولة، الوصول المبكر إلى النخب، والثقة المتراكمة بين دوائر تعرف بعضها بعضاً.
ومع تحديث الدولة، تغير شكل هذه النخبة. انتقل المغرب من القائد والباشا والأعيان التقليديين إلى التكنوقراطي والدبلوماسي وكبير موظفي الدولة ورجل الأعمال.

تغير شكل النخبة، لكن وظيفة القرب ظلت قائمة، غير أن هذه الصيغة تواجه حدودها عندما لا تصبح المشكلة: من يستطيع إدارة الدولة؟
بل من يستطيع أن يمنح الحكومة شرعية لا تستطيع أجهزة الدولة إنتاجها وحدها؟

1958.. عندما احتاجت الدولة إلى شرعية الحركة الوطنية

لم يكن المغرب في نهاية سنة 1958 يعيش مرحلة سياسية عادية. فلم تمر على الاستقلال سوى سنوات قليلة، بينما كان حزب الاستقلال، القوة السياسية الأكبر في مرحلة التحرر، يعيش صراعاً حاداً بين جناحه المحافظ وبين تيارات أكثر راديكالية مرتبطة بالمقاومة والنقابات والشباب.

وفي هذه البيئة وصل عبد الله إبراهيم إلى رئاسة الحكومة. لم يكن مصدر قوته ثروة عائلية ضخمة، ولا شبكة أعيان تقليدية، ولا مساراً تكنوقراطياً طويلاً داخل أجهزة الدولة.

فقد كان الرجل يمتلك رأسمالاً مختلفاً. مصداقية داخل جزء من الحركة الوطنية.وصلة بالحركة النقابية. وقرباً من التيار المطالب باستكمال الاستقلال سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وهنا لم تعد قيمة رئيس الحكومة محصورة في قدرته على إدارة الوزارات. بل أصبحت قيمته في قدرته على إدخال جزء من القوى الاجتماعية والسياسية الموجودة على هامش مركز السلطة إلى داخل الحكومة.

كانت الدولة الناشئة بحاجة إلى شيء إضافي وهي جزء من شرعية الحركة الوطنية نفسها.
وهنا ظهرت مبكراً آلية ستعود لاحقاً في التاريخ المغربي بأشكال مختلفة.

1998.. المعارض التاريخي يدخل الدولة

بعد أربعة عقود تقريباً، ظهر النمط نفسه في سياق مختلف تماماً. كان الحسن الثاني في السنوات الأخيرة من حكمه.
وكان المغرب يخرج تدريجياً من مرحلة سياسية واجتماعية ثقيلة، فيما تراكمت تحديات البطالة والتعليم والإدارة والتنمية والمديونية والاحتقان الاجتماعي.

لكن المشكلة لم تكن اقتصادية فقط. كان هناك سؤال سياسي أكبر:
كيف يمكن إدخال المغرب إلى مرحلة جديدة بينما تبقى المعارضة التاريخية، التي خاضت صراعاً طويلاً مع الدولة، خارج مركز القرار؟
فولد «التناوب التوافقي».
وفي فبراير 1998 حدث ما كان يبدو، قبل سنوات فقط، بالغ الصعوبة. وأصبح عبد الرحمن اليوسفي رئيساً للحكومة.

لم يكن اليوسفي مجرد زعيم حزبي. كان معارضاً تاريخياً، ومنفياً سابقاً، وأحد أبرز وجوه الاتحاد الاشتراكي، ومن أبناء مدرسة سياسية دفعت ثمناً كبيراً في مواجهتها مع السلطة خلال عقود سابقة. ثم أصبح الرجل نفسه رئيساً لحكومة الملك الحسن الثاني.

الأهم هو التوقيت.
فبراير 1998: اليوسفي رئيساً للحكومة.
يوليوز 1999: وفاة الحسن الثاني وانتقال العرش إلى محمد السادس.
وهكذا عبر المغرب واحداً من أكثر انتقالاته السياسية حساسية بينما كان جزء أساسي من المعارضة التاريخية موجوداً داخل الدولة، لا خارجها.

كانت العملية أعمق من مجرد تغيير رئيس الحكومة.
لقد تغير موقع المعارضة نفسها.
من قوة تنازع السلطة وتطالب بإصلاح النظام من الخارج، إلى قوة أصبحت مسؤولة معه عن إدارة الدولة واستمرارية مؤسساتها.
وهنا تظهر إحدى أهم آليات الأنظمة السياسية القادرة على التكيف: وهو إدماج النخب المضادة.

2011.. عندما عاد الشارع

بعد ثلاثة عشر عاماً، عادت المعادلة نفسها بصورة جديدة.
في 20 فبراير 2011، خرجت احتجاجات في عشرات المدن المغربية وسط موجة إقليمية غير مسبوقة.
سقطت أنظمة، اهتزت أخرى، وأصبح الشارع في المنطقة العربية فاعلاً سياسياً لا يمكن تجاهله.
وفي المغرب، رفعت حركة 20 فبراير مطالب بالإصلاح السياسي ومحاربة الفساد وإعادة توزيع السلطة وتحسين الأوضاع الاجتماعية.

هذه المرة لم تكن الأزمة صراعاً بين الدولة ومعارضة تاريخية كلاسيكية.
كان التحدي هو عودة الشارع نفسه إلى المعادلة السياسية.
وفي 9 مارس أعلن الملك محمد السادس إصلاحاً دستورياً واسعاً.

جاء دستور جديد. وانتخابات مبكرة في نونبر 2011. ثم تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج. ووصل اخيرا عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة.
مرة أخرى، لم يكن الرجل القادم إلى رئاسة الجهاز التنفيذي تكنوقراطياً صعد عبر الإدارة، ولا رجل أعمال، ولا امتداداً لعائلة من أعيان الدولة، بل كان رأسماله الأساسي سياسياً.

وفي لحظة أصبح فيها الشارع طرفاً في المعادلة، امتلك بنكيران وحزبه شيئاً كانت الدولة بحاجة إليه:
صلة بقطاع من المجتمع لا تستطيع الإدارة وحدها مخاطبته.

من الشارع إلى الحكومة

بمجرد وصول العدالة والتنمية إلى الحكومة، وقع تحول جوهري. فالحزب الذي كان ينتقد السياسات العمومية من الخارج أصبح مسؤولاً عن تنفيذها.
وأصبح عليه التعامل مع الأسعار.
وصندوق المقاصة.
والتقاعد.
والعجز.
والتشغيل.
والاحتجاجات.
أي أن القوة التي امتلكت جزءاً من شرعيتها لأنها كانت خارج مركز التدبير أصبحت مطالبة بتحمل كلفة وجودها داخله.
وهذه إحدى النتائج المعروفة لعملية الإدماج السياسي.
حين يدخل المعارض المؤسسات، لا يتغير موقعه داخل الدولة فقط، با تتغير علاقته بالمجتمع أيضاً.

العثماني.. المرحلة الثانية من الدورة

يصعب فهم وصول سعد الدين العثماني سنة 2017 من دون العودة إلى بنكيران سنة 2011.
العثماني لم يدخل العدالة والتنمية إلى مركز الحكم. فقد حدث ذلك قبل ست سنوات، لكن بعد انتخابات 2016، دخل تشكيل الحكومة في أزمة استمرت أشهراً، وانتهت بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيلها وتكليف العثماني، من الحزب نفسه.
وهنا بدأت مرحلة مختلفة.
لم يعد الهدف هو إدماج قوة سياسية جديدة في الحكم. بل أصبح الهدف هو إعادة تنظيم علاقة هذه القوة بمركز القرار وببقية مكونات النظام الحزبي.

من أين تأتي شرعية رئيس الحكومة؟

هنا نصل إلى نتيجة مهمة عبارة عن سؤال مركزي .
لماذا يتغير نوع رئيس الحكومة عندما تدخل الدولة مرحلة أزمة سياسية؟
الجواب عبارة عن نمط متكرر يتعلق باحتياجات السلطة نفسها والذي يتغير حسب كل مرحلة.
ففي الظروف الطبيعية، تحتاج الدولة أساساً إلى الثقة، والكفاءة، والقدرة على التنسيق، ومعرفة قواعد المؤسسات.
لكن في الأزمات السياسية تخلق حاجة مختلفة، وعجزاً في الشرعية.
وهنا تصبح قيمة شخصيات مثل عبد الله إبراهيم واليوسفي وبنكيران مختلفة.
ليس لأنها تعرف الدولة أكثر من كبار موظفي الدولة. بل لأنها تستطيع أن تأتي إلى الدولة بشيء مصدره خارجها.

عبد الله إبراهيم حمل معه جزءاً من شرعية الحركة الوطنية والنقابات والتيار التقدمي.

اليوسفي حمل شرعية المعارضة التاريخية، وأعطى «التناوب» معنى سياسياً يتجاوز مجرد تغيير الأشخاص.

وبنكيران حمل شرعية انتخابية وقاعدة حزبية واسعة في اللحظة التي عاد فيها الشارع بقوة إلى السياسة.

وفي الحالات الثلاث، تحولت الحكومة إلى جسر بين الدولة ومصدر للشرعية يقع خارج دوائرها التقليدية.

لماذا تصبح العائلة مهمة؟

من هنا أيضاً يمكن فهم أهمية الخلفية العائلية والاجتماعية لرؤساء الحكومات الآخرين.
حين يتكرر حضور أبناء الأعيان، والعائلات المرتبطة بالإدارة والقضاء والدبلوماسية، والبرجوازية التجارية، وكبار رجال الأعمال، فليس ضرورياً افتراض وجود «نسب سري» يفتح باب رئاسة الحكومة.

فالتفسير البنيوي أكثر بساطة.
ان العائلة المندمجة تاريخياً في النخبة تمنح صاحبها منذ البداية رأسمالاً اجتماعياً مناسباً للاندماج في الدولة.
تعليم. شبكات. علاقات. لغة اجتماعية مشتركة. وصول إلى المؤسسات. ثم يأتي المسار المهني والسياسي ليعزز ذلك.

وهنا يظهر الفرق بين نوعين من رأس المال السياسي.
رأسمال مصدره الداخل: الدولة والإدارة والنخبة والاقتصاد وعلاقات الثقة.
ورأسمال مصدره الخارج: المجتمع والحزب والنقابة والمعارضة والانتخابات.

في زمن الاستقرار، يبدو الأول أكثر انسجاماً مع منطق الاستمرارية.
أما في لحظة أزمة التمثيل والشرعية، فقد يصبح الثاني أكثر قيمة.

وهنا تصبح مقارنة اللحظات الثلاث أكثر إثارة.
1958: صراع داخل الحركة الوطنية وتوتر اجتماعي وسياسي، فيصعد عبد الله إبراهيم ممثلاً لتيار يمتلك امتدادات نقابية ووطنية.

1998: نهاية عهد الحسن الثاني وحاجة إلى مصالحة سياسية وانتقال هادئ، فيدخل عبد الرحمن اليوسفي، أحد أبرز رموز المعارضة التاريخية، إلى رئاسة الحكومة.

2011: حركة 20 فبراير والربيع العربي وضغط الشارع، فيتغير الإطار الدستوري ويصل الحزب المعارض الأكثر قوة انتخابياً إلى قيادة الحكومة.

ان السياقات مختلفة. والفاعلون مختلفون. ولا توجد ضرورة لافتراض وجود خطة واحدة تربط بينها.

لكن النتيجة البنيوية تتكرر: فالدولة لا تحتاج إلى مؤامرة كي تنتج نمطاً
فقراءة التاريخ بهذه الطريقة لا تعني أن كل انتقال كان مخططاً له مسبقاً، ولا أن عبد الله إبراهيم أو اليوسفي أو بنكيران كانوا مجرد أدوات في يد الدولة.
كل واحد منهم كان فاعلاً سياسياً مستقلاً نسبياً، له مشروعه وحزبه وحساباته وقاعدته وموازين القوى التي يتحرك داخلها.
لكن الأنظمة السياسية لا تحتاج إلى غرفة مغلقة تنتج فيها كل القرارات حتى تتشكل لديها أنماط متكررة.
لان المؤسسات تتعلم. والأنظمة التي تستمر لعقود تطور آليات للتكيف.

ويبدو أن إحدى الآليات التي تكررت في التاريخ السياسي المغربي هي توسيع دائرة الحكم بإدخال جزء من القوى الموجودة خارجه عندما تصبح كلفة استمرارها خارجه أكبر من كلفة إدماجها داخله. وحين لا تكفي شرعية الدولة.

لهذا ربما يكون السؤال الأكثر فائدة عند قراءة سبعين عاماً من رئاسة الحكومة المغربية ليس:
من أصبح رئيساً للحكومة؟
بل: لماذا احتاج النظام إلى هذا الرجل بالذات في تلك اللحظة بالذات؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
الشخصيات الأكثر استقلالاً عن شبكات السلطة ليست بالضرورة الأكثر قابلية للوصول إلى رئاسة الحكومة في الظروف الطبيعية.

لكن هذه الاستقلالية نفسها قد تصبح، في لحظة الأزمة، أهم ما يجعلها مطلوبة.

لأن الدولة في زمن الاستقرار تحتاج إلى من تثق فيه، أما في زمن الأزمة فقد تحتاج إلى من يثق فيه المجتمع.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق