رشيد السمكي
رشيد السمكي
الجمعة 22 مايو - 03:32

من اليسار النقدي إلى “النيوبوليزم” الموحد

لم يكن تصريح البرلمانية والأستاذة الجامعية المغربية نبيلة منيب حول زلزال الحوز مجرد زلة لسان عابرة في نقاش تلفزيوني، كان مؤشراً أعمق على أزمة متفاقمة: وهي انهيار الحدود بين الرأي السياسي والمعرفة العلمية، وبين النقد المشروع والخرافة الحديثة.

حين تربط شخصية أكاديمية كارثة طبيعية مدمرة ببرنامج “هارب” الأمريكي في ألاسكا، فهي لا تقدم فرضية علمية بقدر ما تشرعن منطقاً كاملاً يقوم على الشك العدمي ورفض التفسير العلمي لصالح سرديات المؤامرة. المشكلة هنا ليست في “طرح الأسئلة”، بل في تقديم استنتاجات بلا دليل داخل فضاء عمومي يتعامل فيه جزء من الجمهور مع الأستاذ الجامعي باعتباره مرجعية معرفية لا مجرد صاحب رأي.

الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز خضع لتحليل مؤسسات علمية دولية ووطنية متخصصة في الجيوفيزياء ورصد الصفائح التكتونية، ولم تظهر أي معطيات تدعم فرضية “السلاح المناخي” أو “التحكم الاصطناعي في الزلازل”. ومع ذلك، تجد هذه الروايات طريقها إلى الإعلام والسياسة لأنها تمنح تفسيراً سهلاً لعالم معقد، وتوفر دائماً “فاعلاً خفياً” يمكن تحميله المسؤولية بدل مواجهة الحقائق البنيوية المرتبطة بالبناء والهشاشة وضعف الجاهزية.

لكن الأخطر في الأمر أن هذا الخطاب لم يعد حكراً على هوامش الإنترنت أو قنوات الهذيان الرقمي، فحين يصدر عن أستاذة جامعية وبرلمانية وسياسية، فإنه يكتسب شرعية رمزية خطيرة. فالمجتمع لا يسمع هنا مواطنة عادية تتبنى رأياً غريباً، بل يسمع شخصية يفترض أنها تمرنت على المنهج العلمي وعلى التمييز بين الفرضية والدليل.

في الديمقراطيات الحديثة، تقوم السياسة على التنافس بين مشاريع ومصالح ورؤى، لا على صناعة واقع بديل قائم على الشك المرضي. والسياسي الذي يفقد احترامه للمعرفة العلمية يتحول تدريجياً إلى منتج للضجيج لا فاعل عمومي مسؤول، لهذا تبدو المفارقة قاسية: جزء من الخطاب اليساري الذي تأسس تاريخياً على العقلانية والنقد العلمي أصبح أحياناً يلتقي، من حيث لا يدري، مع أكثر روايات الشعبوية هشاشة وعداءً للعقل.

المغرب بعد زلزال الحوز كان يحتاج نقاشاً حول معايير البناء، والإنقاذ، والعدالة المجالية، والوقاية من الكوارث، لا الانشغال بأساطير جيوسياسية مستوردة من فضاءات المؤامرة الرقمية. فالدول لا تبنى بالخوف من “قوى خفية”، بل ببناء مؤسسات قوية وثقافة عامة تحترم الوقائع.

والأجدر بمنيب، بدل تعليق زلزال الحوز على تجارب “هارب” في ألاسكا، أن تقدم للرأي العام حصيلة مقعدها البرلماني، وهي حصيلة وصفها كثير من المتابعين بالهزيلة، قياساً إلى الوعود السياسية الكبرى التي رافقت دخولها المؤسسة التشريعية.

فذلك المقعد لم يكن مقعداً عادياً. لقد كان جزءاً من الخلاف الذي فجّر تجربة فيدرالية اليسار، وهي تجربة كان يُفترض أن تشكل نواة يسارية موحدة وعقلانية داخل المشهد السياسي المغربي.

القائد السياسي لا يُحاسب فقط على مواقفه التلفزيونية، بل على أثره العمومي: ماذا شرّع؟ ماذا راقب؟ ماذا اقترح؟ وأي قيمة أضافها للناخبين الذين منحوه ثقتهم؟ هنا بالضبط كان النقاش أولى من مطاردة سرديات المؤامرة.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق