من المفهوم الجديد للسلطة إلى تحديث المفهوم الجديد للعدالة (من أجل حوكمة قضائية ترابية ضد رخاوة دولة تتملص من مصالحة نفسها)
مثّل خطاب 12 أكتوبر 1999 لحظة مفصلية في تاريخ الدولة المغربية الحديثة، تجاوزت مجرد الإصلاح الإداري إلى تأسيس رؤية جديدة لعلاقة الدولة بالمجتمع، تقوم على التحول من منطق السلطة المتعالية إلى منطق السلطة الخادمة. غير أن هذا التحول البنيوي كان يفترض مواكبة إصلاحية جريئة في حقل العدالة، وهو ما لم يتحقق بالكامل، كما يتجلى في عدم تفعيل خطاب 15 دجنبر 1999 المنادي بإنشاء مجلس الدولة “القضائي” ليكون حارسًا ضد شطط في استعمال السلطة.
فالسلطة الجديدة لا يمكن أن تترسخ دون عدالة جديدة تُؤطرها قيم الإنصاف والمساءلة. لكن هذا المفهوم للعدالة، الذي طُرح في سياق الحوار الوطني للإصلاح والدستور المؤسس لاستقلال القضاء، ظلّ حبيس الإطار النظري، ولم يتحول إلى ممارسة قادرة على بناء الثقة. بل إن هذا التعثر تفاقم بسبب التقصير الواضح في تفعيل الشق السياسي والمؤسساتي من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والذي تمثل في:
· الإخفاق في إرساء ضمانات حقيقية لعدم تكرار انتهاكات الماضي، مما أفقد العدالة جزءًا جوهريًا من دورها في تحصين المجتمع من الاستبداد.
· عدم سن استراتيجية وطنية شاملة للحد من الإفلات من العقاب، مما عمّق هوة انعدام المساءلة وأضعف ثقة المواطن في نزاهة المنظومة.
· التقاعس عن إصلاح الحكامة الأمنية وفق مقاربة حقوقية، مما أبقي على فجوة بين منطق الأمن كخدمة عمومية ومنطق الأمن كأداة للهيمنة.
هذا الإخفاق الثلاثي جعل العدالة المغربية، في كثير من الحالات، أسيرة المنطق الإداري أكثر من كونهاحقوقية، فباتت جزءًا من مشكلة السلطة بدل أن تكون ميزانًا لها. والنتيجة هي علاقة جدلية معكوسة: فحين تتهرب السلطة من مسؤوليتها التاريخية في المصالحة والمساءلة، تضعف العدالة، وحين تضعف العدالة، تتراجع مشروعية السلطة ذاتها.
وهو ما نلمسه اليوم في تزايد مظاهر فقدان الثقة في المؤسسات، وتنامي الشعور بعدم الأمان القضائي، وعودة منطق الواسطة والولاءات. فالأمن القضائي، الضامن الأساسي للثقة العامة، لم يُبلور بعد كمنظومة متكاملة، واستقلال القضاء لم يُترجم إلى استقلال حقيقي في الممارسة أو الثقافة المؤسساتية. ما يزال الخلل قائمًا بين منطق الاستقلال ومنطق الفعالية، وبين خطاب التخليق ومحدودية التقييم النوعي للأداء.
ومن هنا، يمكن القول إن غياب الانسجام بين تطور مفهومي السلطة والعدالة، إلى جانب التقصير المتعمد في تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة كمشروع مجتمعي لإعادة الاعتبار للكرامة والعدالة، ساهم بشكل مباشر في بروز ملامح “الدولة الرخوة”. وهي دولة تمتلك ترسانة قانونية متقدمة دون أن تفعّلها بفعالية، وتتحدث عن الحقوق والمصالحة دون أن تضمنها أو تجسّدها في الممارسة.
مواجهة هذا المأزق البنيوي تقتضي، إذن، أكثر من إصلاح تقني للقضاء؛ إنها تستلزم إعادة بناء العلاقة بين السلطة والعدالة على قاعدة جديدة تضع مسألة الحكامة الأمنية واستحقاقات العدالة الانتقالية والقطع مع إرث الإفلات من العقاب في صلب أولوياتها، لاستعادة الضمير العمومي والحكامة المؤسساتية. ولأن المناسبة شرط فالقضية الوطنية الصحراوية ستحتاج إلى مجلس الدولة كضامن للأمن القضائي ، فهو الحكم والمحكم في حالة وجود تنازع في تدبير العلاقة التعاقدية بين الحكم المركزي وحكومة الحكم الذاتي ، طبقا للمعيير المتعارف عليها دوليا ، وهذا من التذكير بتحصيل حاصل ؛ فمتى سيدستر مجلس الدولة قبل العمل على تنصيبه ؟
التعاليق