من القطار فائق السرعة إلى الربط الكهربائي والذكاء الاصطناعي.. ماذا تعني الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وفرنسا؟
لم يكن حديث رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الخميس 16 يوليوز 2026 بالرباط، عن «البعد الاستراتيجي» للتعاون بين المغرب وفرنسا مجرد توصيف دبلوماسي للعلاقات بين البلدين. فخلف هذه العبارة توجد مجموعة من المشاريع الكبرى التي تمتد من السكك الحديدية والطيران إلى الكهرباء المتجددة والهيدروجين والذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية.
وخلال الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي-الفرنسي رفيع المستوى، أكد لوكورنو أن البلدين يرغبان في الانتقال من علاقات تقوم أساسًا على التجارة والاستثمار والتعاون التقليدي إلى شراكة أكثر اندماجًا، تسمح للشركات والمؤسسات المغربية والفرنسية بالعمل داخل سلاسل إنتاج وقيمة مشتركة.
بعبارة أبسط، لا تريد باريس والرباط الاكتفاء بأن تبيع الشركات الفرنسية معدات أو خدمات للمغرب، بل تسعيان إلى تطوير مشاريع طويلة الأمد تشارك فيها المؤسسات والخبرات والتمويلات من الجانبين، ويكون بعضها موجهًا أيضًا إلى أوروبا وإفريقيا.
ما المقصود بتعاون «استراتيجي»؟
تُستخدم كلمة «استراتيجي» عندما لا يكون المشروع مجرد صفقة تجارية محدودة، بل يرتبط بمصالح طويلة المدى للدولتين.
فالسكك الحديدية، على سبيل المثال، لا تتعلق فقط بشراء قطارات، وإنما ببناء شبكة نقل ستحدد حركة الأشخاص والبضائع لعقود. وينطبق الأمر نفسه على الربط الكهربائي، الذي قد يجعل المغرب مصدرًا للطاقة المتجددة نحو أوروبا، وعلى مشاريع الذكاء الاصطناعي والفضاء، التي ترتبط بالسيادة التكنولوجية والبيانات والاتصالات.
وكانت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024 قد دشنت هذا التحول، بعدما أُعلن عن اتفاقات ومشاريع تصل قيمتها المحتملة إلى أكثر من عشرة مليارات يورو، تهم الطاقة الخضراء، والبنيات التحتية المستدامة، والابتكار، والصناعة، والربط الرقمي، والتوسع المشترك في القارة الإفريقية.
وجاء اجتماع يوليوز 2026 للانتقال بجزء من تلك الالتزامات من مستوى الإعلانات السياسية إلى برامج أكثر تحديدًا من حيث التمويل والتنفيذ والتعاون المؤسساتي.
القطار فائق السرعة.. المشروع الأكثر وضوحًا
يُعد تمديد الخط فائق السرعة من القنيطرة إلى مراكش أبرز مشاريع النقل التي تتقاطع فيها المصالح المغربية والفرنسية.
وخلال اجتماع الرباط، وقّع البلدان بروتوكول تفاهم يؤكد الشروع في تنفيذ تمويل برنامج الخط فائق السرعة القنيطرة–مراكش، الذي سيشكل امتدادًا للخط العامل حاليًا بين طنجة والقنيطرة.
ومن الناحية العملية، لا يعني الاتفاق أن فرنسا ستنجز المشروع وحدها، بل إنها ستشارك، عبر مؤسساتها التمويلية وشركاتها الصناعية، في بعض مكونات البرنامج المرتبطة بالتجهيزات والتمويل والخبرة الفنية.
ويمثل المشروع أهمية خاصة للمغرب لأنه يربط محور طنجة–الرباط–الدار البيضاء بمراكش، ويواكب الارتفاع المتوقع في حركة المسافرين، خصوصًا مع الاستعدادات لكأس العالم 2030. كما يمكن أن يخفف الضغط على الرحلات الجوية والطرق السيارة بين المدن الرئيسية.
أما بالنسبة إلى فرنسا، فيوفر المشروع فرصًا لشركاتها العاملة في القطارات والإشارات وأنظمة السلامة والهندسة والتجهيزات الكهربائية. لكنه يضعها أيضًا في منافسة مع شركات وموردين دوليين آخرين، إذ يتجه المغرب في مشاريعه الكبرى إلى تنويع الشركاء بدل الاعتماد على مصدر واحد.
ولا يقتصر التعاون في النقل على القطار؛ فقد وُقع كذلك برنامج عمل للفترة الممتدة من 2026 إلى 2028 في مجال الطيران المدني، يشمل تبادل الخبرات والتكوين وتعزيز الكفاءات، إلى جانب اتفاق للتعاون بين مؤسستين مغربية وفرنسية متخصصتين في التكوين البحري.
الربط الكهربائي المباشر.. مشروع قد يغير خريطة الطاقة
أهم جديد في التعاون الطاقي هو المشروع المقترح لإنشاء ربط كهربائي مباشر بين المغرب وفرنسا.
وأعلن البلدان فتح المجال أمام إبداء الاهتمام بالمشروع، بهدف البحث عن نموذج قابل للتنفيذ التجاري يسمح بنقل الكهرباء المتجددة المنتجة في المغرب إلى فرنسا. ولا يزال المشروع في مرحلة الدراسة وتحديد الجدوى والمسار التقني والتمويل، أي إنه ليس خطًا جاهزًا للبناء بعد.
الفكرة تقوم، مبدئيًا، على إنشاء كابل كهربائي بحري يربط شبكتي البلدين عبر البحر المتوسط. ويمكن للكهرباء المنتجة من الشمس والرياح في المغرب أن تُنقل عبر هذا الخط إلى السوق الفرنسية أو الأوروبية.
ويمتلك المغرب عوامل تساعده على إنتاج الطاقة المتجددة، من بينها المساحات المشمسة والمناطق ذات القدرات الريحية المرتفعة. أما فرنسا وأوروبا فتبحثان عن مصادر إضافية للكهرباء منخفضة الكربون لتعزيز أمنهما الطاقي وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
لكن المشروع يواجه أسئلة معقدة، من بينها كلفته المرتفعة، وطول الكابل، وشروط الربط بالشبكة الأوروبية، وتسعير الكهرباء، وضمان تلبية الطلب الداخلي المغربي قبل التصدير، إضافة إلى الاتفاق على توزيع المخاطر والعائدات بين المستثمرين.
ولهذا فإن الإعلان الحالي لا يعني أن المغرب سيبدأ فورًا في تصدير الكهرباء إلى فرنسا، بل يعني أن البلدين قررا الانتقال إلى مرحلة البحث عن حلول تقنية وتجارية قابلة للحياة.
الطاقة الخضراء أبعد من تصدير الكهرباء
لا يبدأ التعاون الطاقي بين البلدين من الصفر. فالوكالة الفرنسية للتنمية تساهم منذ سنوات في تمويل مشاريع مرتبطة بالطاقة الشمسية والنقل منخفض الكربون والماء والتكيف مع التغير المناخي في المغرب.
وتفيد معطيات الوكالة بأنها ساهمت في تمويل محطات من مجمع نور للطاقة الشمسية، إلى جانب مشاريع الترامواي في الرباط والدار البيضاء والخط فائق السرعة بين طنجة والدار البيضاء. كما بلغ حجم عملياتها ذات الأثر المناخي في المغرب 1.7 مليار يورو بين 2012 و2022.
وتشمل المشاريع الجديدة أيضًا الهيدروجين الأخضر والوقود الاصطناعي، وهما مجالان يحتاجان إلى شرح.
الهيدروجين الأخضر هو هيدروجين يُنتج باستعمال كهرباء متجددة، بدل الاعتماد على الغاز الطبيعي. ويمكن استعماله في الصناعات الثقيلة أو تحويله إلى مشتقات قابلة للتصدير.
أما الوقود الاصطناعي الأخضر، مثل الميثانول والكيروسين الإلكتروني، فيُنتج باستعمال الهيدروجين المتجدد والكربون المعاد استخدامه. ويُنظر إليه باعتباره أحد الحلول الممكنة لتقليص انبعاثات الطيران والنقل البحري.
وفي هذا الإطار، شملت اتفاقات 2024 تعاونًا حول مشروع «جناسيم» في جهة الداخلة–وادي الذهب، يستهدف، وفق التصور المعلن، إنتاج نحو 500 ألف طن سنويًا من الميثانول والكيروسين المتجددين. كما جرى توسيع التعاون بين التجمعات المهنية المغربية والفرنسية العاملة في مجال الهيدروجين الأخضر. غير أن هذه الأرقام تمثل أهدافًا للمشروع وليست إنتاجًا قائمًا حاليًا.
التكنولوجيا المتقدمة.. من الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء
عندما تحدث لوكورنو عن التكنولوجيا المتقدمة، فهو يشير إلى مشاريع تتجاوز الرقمنة التقليدية لتشمل الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني والصناعة المستقبلية.
ومن أبرز الاتفاقات المعلنة منذ 2024 مشروع تعاون بين شركة التكنولوجيا المغربية ABA Technology وشركة XXII الفرنسية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وتحليل الصور والفيديو.
كما أُعلن عن تحالف بين جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، والمدرسة المركزية بالدار البيضاء، ومجموعة المدارس المركزية الفرنسية، بهدف إنشاء خمسة أنظمة للبحث والابتكار والتكوين.
وتشمل المجالات المستهدفة علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، والطيران والفضاء، والأمن السيبراني، والطاقة والتنقل الجديد، والصناعة المستقبلية، والاتصالات والتكنولوجيا الحيوية.
والهدف هنا ليس فقط إنجاز أبحاث أكاديمية، بل تكوين مهندسين وباحثين، وربط الجامعات بالشركات، وتحويل بعض نتائج البحث إلى تطبيقات صناعية قابلة للتسويق.
ماذا عن الأقمار الاصطناعية؟
تضمنت اتفاقات 2024 كذلك إعلان نية يتعلق بتوفير قمر اصطناعي للاتصالات من طرف شركة Thales Alenia Space لفائدة الفاعل الخاص «Panafsat»، بقيمة معلنة تقارب 200 مليون يورو.
ويُفترض، وفق التصور المعلن، أن يساعد القمر على توسيع تغطية الإنترنت عالي الصبيب في المغرب وغرب إفريقيا، خصوصًا في المناطق القروية ولخدمة المؤسسات العمومية. وكان موعد إدخاله المتوقع إلى الخدمة قد حُدد في 2028، لكن الإعلان يظل مرتبطًا باستكمال التعاقد والتمويل والتنفيذ التقني.
لكن وجود مذكرة تفاهم أو إعلان نية لا يعني بالضرورة أن المشروع أصبح نهائيًا. فالمشاريع الفضائية والطاقة الكبرى تمر عادة بمراحل الدراسات، والتمويل، والتراخيص، والتعاقد، ثم التصنيع والتنفيذ.
الماء والبنية التحتية الرقمية
يتسع التعاون ليشمل ملف الماء، الذي أصبح من أكثر الملفات الاستراتيجية إلحاحًا بالنسبة إلى المغرب بسبب الجفاف وتراجع الموارد المائية.
وكان البلدان قد أطلقا في 2024 شراكة تهم تحلية مياه البحر، كما جرى الاتفاق على تطوير منصة رقمية لمراقبة جودة المياه وأداء شبكة التزويد بصورة شبه فورية، في منطقة تجريبية مرتبطة بالشبكة الممتدة من سد سيدي محمد بن عبد الله نحو المحور الساحلي بين الرباط والدار البيضاء.
وخلال اجتماع يوليوز 2026، وُقعت وثيقة جديدة تستكمل التفاهم السابق وتحدد التزامات التعاون في دعم السياسة الوطنية للماء.
وتكمن أهمية الجانب الرقمي في القدرة على اكتشاف الأعطاب والتسربات وتغير جودة المياه بسرعة أكبر، بدل الاعتماد فقط على عمليات المراقبة التقليدية.
لماذا تحتاج فرنسا إلى المغرب؟
قد تبدو العلاقة، للوهلة الأولى، كما لو أن المغرب هو الطرف الذي يحتاج إلى التمويل والتكنولوجيا الفرنسية. غير أن فرنسا بدورها تنظر إلى المغرب باعتباره شريكًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا مهمًا.
فالمغرب يمتلك قاعدة صناعية في السيارات والطيران والأسمدة، وموانئ مرتبطة بالأسواق الدولية، واتفاقات تجارية مع عدد من الاقتصادات الكبرى، إضافة إلى حضور متزايد للشركات المغربية في إفريقيا.
وبالنسبة إلى الشركات الفرنسية، يمكن للمغرب أن يكون موقعًا للإنتاج، وسوقًا للمعدات والخدمات، ومنصة للتوسع نحو القارة الإفريقية. أما في مجال الطاقة، فقد يمثل مصدرًا محتملًا للكهرباء المتجددة والهيدروجين والوقود منخفض الكربون.
ولهذا تحدث لوكورنو عن إدماج البلدين داخل «سلاسل قيمة مشتركة»: أي أن المنتج أو الخدمة قد تُموّل أو تُصمم أو تُصنع أجزاؤها بين المغرب وفرنسا، ثم تُباع في أسواق ثالثة.
ماذا يستفيد المغرب؟
يبحث المغرب من خلال هذه الشراكة عن التمويل، ونقل الخبرة، والوصول إلى التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
لكن الفائدة الحقيقية لن تُقاس بعدد مذكرات التفاهم، وإنما بقدرة المشاريع على:
- خلق وظائف مؤهلة داخل المغرب؛
- إشراك المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة؛
- نقل المعرفة والتكنولوجيا بدل استيراد المعدات فقط؛
- رفع نسبة التصنيع والقيمة المضافة المحلية؛
- تخفيض كلفة النقل والطاقة والخدمات؛
- وتوسيع وصول المنتجات والخدمات المغربية إلى السوق الأوروبية والإفريقية.
وإذا اقتصرت الشراكة على صفقات تمنح الشركات الأجنبية أسواقًا جديدة دون تطوير قدرات محلية، فإن أثرها سيكون محدودًا، حتى لو كانت قيمتها المالية مرتفعة.
وينبغي التمييز بين ثلاث درجات من الالتزام:
أولًا: الاتفاقات التنفيذية أو التمويلية، مثل بروتوكول تفعيل تمويل الخط فائق السرعة، وهي الأقرب إلى التنفيذ العملي.
ثانيًا: برامج التعاون المؤسساتي، مثل التكوين في الطيران المدني والبحث العلمي والخدمات البريدية، وهي برامج يمكن أن تبدأ تدريجيًا لكنها تحتاج إلى تتبع وميزانيات.
ثالثًا: مذكرات التفاهم وإعلانات النية، مثل بعض مشاريع الأقمار الاصطناعية والهيدروجين والربط الكهربائي. وهذه تعبر عن إرادة سياسية أو تجارية، لكنها لا تضمن إنجاز المشروع ما لم تُستكمل الدراسات والتمويل والعقود والتراخيص.
وقد وقع المغرب وفرنسا خلال الاجتماع رفيع المستوى اثني عشر نصًا تشمل، إلى جانب القطار والماء، الطيران المدني، والتكوين البحري، والخدمات البريدية، والثقافة، والبحث الزراعي، وخبرات البنيات التحتية المينائية والمائية والبحرية.
شراكة اقتصادية مرتبطة بتحول سياسي
لا يمكن فصل هذه الدينامية الاقتصادية عن التحسن السياسي الذي شهدته العلاقات المغربية-الفرنسية منذ 2024، بعد فترة من التوتر بين الرباط وباريس.
وقد أسهم الموقف الفرنسي الجديد من قضية الصحراء في إعادة بناء الثقة السياسية، قبل أن تتحول المصالحة إلى زيارات وزارية واتفاقات اقتصادية ومشاريع طويلة الأمد.
ولهذا فإن المشاريع المعلنة ليست مجرد تعاون تقني، بل أدوات لتثبيت التقارب السياسي وربط مصالح البلدين بعقود وبنيات تحتية واستثمارات تمتد لسنوات أو عقود.
انتقال من العلاقات التقليدية إلى المصالح المشتركة
الرسالة الأساسية في كلام سيباستيان لوكورنو هي أن فرنسا والمغرب تريدان تغيير طبيعة علاقتهما الاقتصادية.
فالمرحلة السابقة كانت تقوم بدرجة كبيرة على التجارة، والاستثمار الفرنسي في المغرب، والتعاون المالي والتنموي. أما المرحلة الجديدة فتسعى إلى بناء مشاريع مشتركة في قطاعات تحدد مستقبل الاقتصاد: النقل السريع، والطاقة المتجددة، والربط الكهربائي، والهيدروجين، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والماء.
غير أن نجاح هذه الشراكة لن يُحسم في البيانات الرسمية أو مراسم التوقيع. الاختبار الحقيقي سيكون في السنوات المقبلة: ما المشاريع التي ستصل فعلًا إلى التنفيذ؟ كم ستخلق من فرص العمل؟ وما نسبة التكنولوجيا والقيمة المضافة التي ستبقى داخل المغرب؟
التعاليق