مصطفى المنوزي
مصطفى المنوزي
الأحد 09 نوفمبر 2025 - 09:35

من الحكم الذاتي إلى الحكم التشاركي

يشكل مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية مبادرة تاريخية ذات طابع تنازلي من طرف المغاربة، لكنها ليست تنازلًا عن السيادة بقدر ما هي تنازل استراتيجي اضطراري لكنه إيجابي يهدف إلى خلق توازن سياسي وحفظ ماء الوجه لوحدة مغاربية متعثرة. إنها مبادرة تنتمي إلى منطق العقل التوقعي، حيث تتغلب المصلحة الجماعية على نزعة الانتصار الرمزي، ويُقدَّم الحل السياسي كصيغة لتجاوز الانغلاق التاريخي.
ومع ذلك، لم تعد المعركة تدور حول شرعية المبادرة، بل حول تأويلها ومضمونها التشاركي: هل الحكم الذاتي تفويض إداري محدود أم خطوة نحو تمكين المجتمع المحلي من صناعة القرار في إطار دولة الجهات؟
ذلك أن الدولة المغربية، في سعيها إلى تفعيل الجهوية المتقدمة، وضعت الأساس لتحول نوعي من اللامركزية التقنية إلى اللامركزية التفاعلية، حيث تصبح الجهة فضاءً للمواطنة المنتجة لا مجرد وحدة ترابية.
وفي هذا السياق، يبرز الحكم الذاتي كإحدى التجليات القصوى لدينامية الجهوية الموسعة، مع امتياز تفضيلي فرضته الشرعة الدولية ذاتها، باعتباره إجراءً تيسيريًا وتجسيريًا مع الأشقاء الأفارقة في جنوب الصحراء الكبرى.
فالمغرب، وهو يعيد وصل ما انقطع بين شمال القارة وجنوبها، يجعل من الحكم الذاتي نموذجًا للحلول السلمية ذات المرجعية الإفريقية–الأممية، منفتحًا على مقاربة الأمن الإنساني والتنمية المشتركة بدل المقاربات الانعزالية.
لكنّ الرهان الأكبر يظل داخليًا: فالمصالحة بين المغرب والجزائر الرسميين لا يمكن أن تُثمر دون مصالحة بينية داخل الأقاليم الجنوبية، بين المنحدرين من وادي درعة ووادي نون وصحراء سوس الصامدة وصولًا إلى تخوم شنقيط التاريخية.
إنها مصالحة بين أبناء المجال الواحد، وبين ذواكر متجاورة ظلت رهينة للتجاذب السياسي والإيديولوجي.
ولذلك، فليكن التفاوض تأسيسيًا بين هويات جدلية تتلاقح في شرايين تذيب نزعات الانفصال في عروق الاتصال، لا تسويةً تؤطرها منطقية الربح والخسارة، ولا ساحةً يتجاذبها منطق عدالة المنتصرين مقابل أيديولوجية المنهزمين.
فالتفاوض في معناه الأصيل هو بناءٌ متبادل للمعنى، لا مقايضة للشرعية، وتطهير للذاكرة المشتركة من عقد الماضي لا تثبيتها.
إن الانتقال من الحكم الذاتي كشعار تفاوضي إلى الحكم التشاركي كفعل مؤسسي يقتضي إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإحياء روح المسؤولية المشتركة في تدبير المجال والذاكرة معًا. فبدون هذا البعد التصالحي، سيظل الحكم الذاتي مشروعًا مؤجلًا يفتقد لروحه المجتمعية.
إن التحدي اليوم هو الانتقال من منطق الإجراء السياسي إلى منطق الثقافة السياسية الجديدة، حيث تُبنى السلطة على المشاركة، وتُدار الذاكرة بالتعدد، وتُستعاد الصحراء كفضاء للتعايش لا كساحة للتجاذب، ضمن رؤية مغربية منفتحة على عمقها الإفريقي وذاكرتها المتوسطية.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق