معدل النشاط في المغرب: الزاوية العمياء الكبرى في سوق الشغل
لا يزال النقاش العمومي حول سوق الشغل في المغرب محصورًا، في الغالب، داخل رقم واحد: معدل البطالة. وهذا مفهوم، لأن البطالة مؤشر واضح وحساس اجتماعيًا وسياسيًا. غير أن الاعتماد عليه وحده لا يسمح بفهم التحولات العميقة التي يعرفها سوق الشغل.
فمعدل البطالة لا يقيس سوى الأشخاص الذين لا يشتغلون، والمتاحين للعمل، والذين يبحثون عنه بشكل نشط. لكنه لا يكشف وضعية الذين توقفوا عن البحث، ولا الذين يطيلون مدة الدراسة بسبب غياب آفاق واضحة، ولا الذين انسحبوا بصمت من سوق الشغل.
من هنا تبرز أهمية معدل النشاط، باعتباره مؤشرًا أوسع وأكثر قدرة على قياس الدينامية الحقيقية لسوق العمل. فهو يقيس نسبة السكان البالغين 15 سنة فما فوق الذين يشتغلون أو يبحثون عن عمل. غير أن هذا المؤشر يسجل في المغرب تراجعًا لافتًا منذ أكثر من عقدين.
فبين سنتي 1999 و2025، انخفض معدل النشاط من 54,5% إلى 43,5%، أي بتراجع قدره 11 نقطة. ويبدو الانخفاض أكثر حدة في الوسط القروي، حيث تراجع من 63,1% إلى 46,1%، أي بناقص 17 نقطة.
هذا يعني أن المغرب لا يواجه فقط مشكلة بطالة، بل أزمة أعمق تتمثل في انسحاب جزء متزايد من السكان من سوق الشغل، خصوصًا في العالم القروي، وبين النساء والشباب.
لماذا معدل النشاط مهم؟
يظل معدل البطالة مؤشرًا ناقصًا إذا استُعمل وحده. فهو لا يشمل إلا من لا يعملون، ومستعدون للعمل، ويبحثون عنه فعليًا. أما الذين توقفوا عن البحث، أو بقوا في المنازل، أو يعيشون في مناطق ضعفت فيها فرص الشغل، فلا يظهرون في هذا المؤشر.
في المقابل، يكشف معدل النشاط حجم المشاركة الفعلية في سوق الشغل:
معدل النشاط = السكان النشيطون 15 سنة فما فوق / مجموع السكان 15 سنة فما فوق
كلما ارتفع هذا المعدل، دل ذلك على قدرة الاقتصاد على تعبئة موارده البشرية. وكلما انخفض، دل على أن جزءًا مهمًا من المجتمع يوجد خارج دائرة الشغل والدخل والإنتاج.
تراجع بنيوي منذ أكثر من عقدين
بين 1999 و2025، تراجع معدل النشاط الوطني من 54,5% إلى 43,5%. وشمل هذا التراجع الوسطين الحضري والقروي، لكن بدرجات مختلفة.
في الوسط الحضري، انتقل المعدل من 48,1% إلى 42,2%، أي بانخفاض قدره 5,9 نقاط. أما في الوسط القروي، فقد هبط من 63,1% إلى 46,1%، أي بتراجع بلغ 17 نقطة.
هذا التراجع لا يبدو ظرفيًا، بل يعكس تحولًا بنيويًا مرتبطًا بإعادة هيكلة الاقتصاد، وتراجع الفلاحة، ومحدودية قدرة المدن على استيعاب الوافدين، وضعف مشاركة النساء في سوق الشغل.
الصدمة الكبرى تأتي من العالم القروي
بين 2011 و2024، انخفض معدل النشاط الوطني من 49,2% إلى 43,5%. في المدن، كان التراجع محدودًا نسبيًا، من 43,3% إلى 42%. أما في القرى، فقد كان الانخفاض حادًا، من 58% إلى 46,5%.
هذا يعني أن القسم الأكبر من التراجع مصدره العالم القروي. فمن أصل 5,7 نقاط من الانخفاض الوطني، تعود حوالي 4,2 نقاط مباشرة إلى تراجع النشاط القروي، مقابل 0,8 نقطة فقط للحضري، و0,7 نقطة نتيجة تغير البنية السكانية.
وتؤكد أرقام سنة 2024 هذا الاتجاه: فقد خلق الاقتصاد المغربي 82 ألف منصب شغل، لكن هذا الرقم يخفي تفاوتًا واضحًا؛ إذ أضافت المدن 162 ألف منصب، بينما فقدت القرى 80 ألف منصب.
بمعنى آخر، الاقتصاد يخلق فرصًا حضرية، لكنه يفقد في المقابل وظائف قروية، خاصة في الفلاحة والعمل العائلي غير المؤدى عنه.
الانسحاب الصامت للنساء القرويات
يُعد ضعف نشاط النساء أحد أبرز اختلالات سوق الشغل في المغرب. فمعدل النشاط لدى النساء لا يتجاوز 19,1%، مقابل 68,6% لدى الرجال.
لكن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى التوزيع الجغرافي. ففي الوسط الحضري، ارتفع نشاط النساء بشكل طفيف من 18,1% إلى 19,2%. أما في الوسط القروي، فقد انهار من 36,6% إلى 18,8%، أي بانخفاض قدره 17,8 نقطة.
كما تراجع عدد النساء النشيطات في القرى من 1,8 مليون إلى 867 ألف، بينما ارتفع في المدن من 1,3 مليون إلى 1,9 مليون.
هذا التحول يعكس تراجع الدور الاقتصادي للفلاحة، التي كانت تشكل المجال الرئيسي لإدماج النساء القرويات، في ظل غياب بدائل محلية كافية في الصناعة والخدمات.
الشباب أيضًا خارج السوق
لا يقتصر الانسحاب من سوق الشغل على النساء. فالشباب بدورهم يعرفون تراجعًا حادًا في النشاط.
بين 2011 و2024، انخفض معدل نشاط الشباب من 35% إلى 22,7%. وكان التراجع أكثر قسوة في الوسط القروي، حيث بلغ ناقص 21,3 نقطة، مقابل ناقص 4,2 نقاط في الوسط الحضري.
كما انخفض عدد الشباب النشيطين في القرى من 1,3 مليون إلى 582 ألف، وفي المدن من 873 ألفًا إلى 760 ألفًا.
ورغم أن جزءًا من هذا التراجع يمكن تفسيره بإطالة مدة الدراسة، فإن وجود 1,5 مليون شاب خارج العمل والدراسة والتكوين يكشف أن الإشكال أعمق. فالشباب إما خارج السوق كليًا، أو داخله دون فرص كافية، كما يعكس ذلك معدل بطالة الشباب البالغ 36,7%، والذي يصل في المدن إلى 48,4%.
انخفاض النشاط يخفي بطالة أكبر
من أخطر آثار تراجع معدل النشاط أنه يخفف إحصائيًا من حدة البطالة الظاهرة.
فلو بقي معدل النشاط في حدود 50%، لارتفع عدد السكان النشيطين، ومعه سيرتفع عدد الباحثين عن العمل، وبالتالي عدد العاطلين. لذلك، فإن انخفاض النشاط يعمل كآلية تخفيف رقمية لمعدل البطالة، دون أن يعني تحسنًا حقيقيًا في سوق الشغل.
بعبارة أخرى، جزء من أزمة البطالة لا يظهر في أرقام البطالة، لأنه خرج أصلًا من دائرة البحث عن العمل.
قراءة استراتيجية
يكشف تراجع معدل النشاط عن خمسة اختلالات كبرى: فقدان العالم القروي لدوره الاقتصادي، محدودية قدرة المدن على استيعاب اليد العاملة، ضعف مشاركة النساء، أزمة إدماج الشباب، وضعف تعبئة الموارد البشرية.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول نموذج النمو في المغرب. فاقتصاد لا ينجح في إدماج سوى أقل من نصف سكانه البالغين في سوق الشغل، يحد من قدرته على الإنتاج، وتوسيع الدخل، وتحقيق نمو شامل ومستدام.
التعاليق