مشروع قانون مالية المغرب لسنة 2027.. رهانات حكومة أخنوش الاقتصادية
تُعد حكومة عزيز أخنوش مشروع قانون المالية لسنة 2027 في ظرفية استثنائية؛ فهو آخر مشروع ميزانية تحضّره الحكومة الحالية قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة، لكنه سيؤطر جزءا من عمل الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات. لذلك يجمع المشروع بين استكمال الالتزامات الجارية، والحفاظ على استمرارية المشاريع الكبرى، ووضع إطار مالي للمرحلة السياسية المقبلة.
وما يزال النص، إلى حدود بداية غشت 2026، في مرحلة الإعداد. فالمتوفر رسميا هو الإطار العام الذي قدمته وزيرة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بالبرلمان، إلى جانب المذكرة التوجيهية التي وجهها رئيس الحكومة إلى القطاعات الوزارية. أما التدابير الضريبية النهائية، وتوزيع الاعتمادات على الوزارات، وعدد المناصب المالية، فلن تُحسم إلا عند اعتماد المشروع حكوميا وإحالته على البرلمان. وقد أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أن عرض يوليوز تناول تنفيذ ميزانية 2026، والإطار العام لمشروع مالية 2027، والبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029، طبقا للقانون التنظيمي لقانون المالية.
وحددت المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة، المؤرخة في 5 غشت 2026، أربعة محاور كبرى: توطيد المكتسبات الاقتصادية، والتأهيل الشامل للمجالات الترابية، ومواصلة بناء الدولة الاجتماعية، واستكمال الإصلاحات الهيكلية مع الحفاظ على توازنات المالية العمومية.
هذه المحاور لا تمثل برامج منفصلة، بل ترتبط ببعضها. فالاستثمار يفترض أن يخلق النمو والشغل، والنمو يفترض أن يوفر موارد لتمويل الدولة الاجتماعية، بينما يُفترض أن يضمن ضبط العجز والدين استمرار التمويل دون إدخال الميزانية في وضع غير قابل للاستدامة.
أولا: تثبيت النمو وتعزيز موقع المغرب الصناعي
تراهن الحكومة في المحور الاقتصادي على مواصلة الاستثمارات الكبرى في الصناعة والماء والطاقة والنقل واللوجستيك والتحول الرقمي، مع زيادة دور القطاع الخاص في تمويل المشاريع وخلق فرص الشغل.
وتركز المذكرة على دعم اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، وتحسين مناخ الأعمال، ومواصلة تنزيل ميثاق الاستثمار، واستقطاب صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، خصوصا في السيارات والطيران والبطاريات والطاقات المتجددة والتكنولوجيا.
وتتوقع الحكومة نموا اقتصاديا في حدود 4.1 في المائة سنة 2027، بعد توقعها نموا قدره 5.3 في المائة خلال 2026. ويرتبط تراجع الوتيرة المفترضة بانتهاء أثر الانتعاش الفلاحي القوي المتوقع في 2026، مع استمرار الاعتماد على الأنشطة غير الفلاحية والاستثمار الداخلي.
لكن هذه الفرضية ليست محل إجماع. فالمندوبية السامية للتخطيط تتوقع نموا لا يتجاوز 3 في المائة في 2027، بناء على فرضية موسم فلاحي متوسط وضعف الطلب الخارجي، بينما يقدر البنك الدولي النمو بنحو 4 في المائة، ويرفع صندوق النقد الدولي توقعه إلى 4.5 في المائة. ويعكس الاختلاف تفاوت الفرضيات المتعلقة بالأمطار، وأسعار الطاقة، والطلب الأوروبي، وسرعة إنجاز الاستثمارات.
ماذا يعني اختلاف توقعات النمو؟
لا يعني اختلاف الأرقام بالضرورة أن إحدى المؤسسات مخطئة. فكل توقع يبنى على فرضيات معينة.
إذا كان الموسم الفلاحي جيدا، واستقرت أسعار الطاقة، واستمرت الاستثمارات، فقد يقترب النمو من تقدير الحكومة أو صندوق النقد. أما إذا عاد الجفاف أو ارتفعت فاتورة النفط والغاز أو تباطأ الطلب الأوروبي، فقد يقترب من توقع المندوبية.
وهذا مهم لأن كل نقطة نمو إضافية قد ترفع المداخيل الضريبية وتخفف الضغط على الميزانية، بينما يؤدي تباطؤ الاقتصاد إلى تقليص الموارد ورفع الحاجة إلى الاقتراض أو إعادة ترتيب النفقات.
ثانيا: التنمية الترابية وتقليص الفوارق
تمنح ميزانية 2027 أهمية خاصة للتنمية المجالية المندمجة، أي الانتقال من توزيع المشاريع وفق منطق قطاعي منفصل إلى برامج تنطلق من حاجيات كل إقليم أو جهة.
بعبارة مبسطة، لا يكفي بناء طريق دون ربطها بمنطقة إنتاج، أو تشييد مؤسسة صحية دون توفير الأطباء، أو إنشاء منطقة صناعية دون الماء والطاقة والنقل. المقاربة المندمجة تعني جمع هذه العناصر داخل برنامج ترابي واحد.
وتشمل الأولويات المعلنة تحسين الطرق، والماء، والصحة، والتعليم، والربط الرقمي، والاستثمار المحلي، مع توجيه اهتمام أكبر إلى المناطق القروية والجبلية والجهات التي لم تستفد بالقدر نفسه من النمو والاستثمار.
ويرتبط هذا التوجه بتسريع مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030، لكن التحدي سيكون في ضمان ألا تتركز الاعتمادات في المدن المستضيفة وحدها، وأن تتحول المشاريع إلى رافعة دائمة للتنمية، لا إلى تجهيزات مرتبطة بموعد رياضي مؤقت.
الماء في قلب الإنفاق العمومي
يُنتظر أن يظل الأمن المائي من أكبر بنود الاستثمار، من خلال بناء السدود، والربط بين الأحواض، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة.
وتستهدف التوجهات الحكومية رفع الطاقة التخزينية للسدود إلى نحو 22 مليار متر مكعب، والوصول بقدرة تحلية مياه البحر إلى حوالي 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2030.
ويتجاوز أثر هذه المشاريع توفير ماء الشرب؛ فشح المياه يؤثر في الفلاحة والصناعة والسياحة والاستثمار واستقرار السكان في المناطق القروية. لذلك أصبحت نفقات الماء جزءا من السياسة الاقتصادية، لا مجرد نفقات تقنية لقطاع التجهيز.
النقل والربط بين الجهات
تتجه الحكومة أيضا إلى مواصلة توسيع شبكة الطرق والسكك الحديدية، ومن أبرز المشاريع المعلنة تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، وتطوير قطارات جهوية سريعة، وتحديث الأسطول السككي، وتحسين ربط الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية.
وتراهن الدولة على أن تقليص زمن التنقل وخفض كلفة نقل البضائع سيزيدان جاذبية الجهات للاستثمار. لكن تحقيق هذا الأثر يتوقف على ربط البنية التحتية بالمقاولات المحلية والتكوين وفرص الشغل، وليس فقط على إنجاز الأشغال.
ثالثا: مواصلة بناء الدولة الاجتماعية
تضع الحكومة استكمال ورش الدولة الاجتماعية ضمن المحاور الأساسية لميزانية 2027. ويشمل ذلك الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح الصحة والتعليم، وسياسة التشغيل.
ويقوم التوجه العام على الانتقال من برامج دعم متفرقة إلى منظومة تعتمد السجل الاجتماعي الموحد لتحديد الأسر المستحقة، وتوسيع التغطية الصحية، وربط المساعدات بمعايير اجتماعية أكثر دقة.
غير أن الرهان لا يقتصر على تسجيل المواطنين في نظام التأمين الصحي؛ فالاختبار الحقيقي يتعلق بوجود أطباء ومستشفيات وأدوية ومواعيد علاج، وبقدرة المؤمن عليهم على الاستفادة الفعلية من الخدمات دون تحمل مصاريف تفوق قدراتهم.
الصحة: البنية والموارد البشرية
تتجه ميزانية 2027 إلى مواصلة تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتطوير المستشفيات الجهوية والإقليمية، وإحداث مستشفى جامعي في كل جهة، إلى جانب استكمال مؤسسات الحكامة الجديدة، مثل الهيئة العليا للصحة والوكالات المختصة بالأدوية والدم.
لكن البناء وحده لا يكفي. فنجاح الإصلاح مرتبط بتكوين الأطباء والممرضين وتوزيعهم جغرافيا، وتحسين ظروف العمل، وضبط أسعار العلاج والأدوية، وتقليص الفوارق بين القطاعين العام والخاص.
التعليم: توسيع البرامج وقياس النتائج
تعتزم الحكومة مواصلة توسيع التعليم الأولي وتجربة المدارس الرائدة، وتطوير العرض الجامعي ومدن المهن والكفاءات وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
غير أن الميزانية المقبلة ستواجه سؤال المردودية: هل تؤدي زيادة الاعتمادات إلى تحسن فعلي في التعلمات، وتقليص الهدر المدرسي، وتحسين قابلية الخريجين للتشغيل؟ فعدد المؤسسات أو المستفيدين لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسة التعليمية.
رابعا: الإصلاحات الهيكلية وضبط المالية العمومية
تريد الحكومة مواصلة الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، لكنها في الوقت نفسه تستهدف إبقاء عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وضبط مديونية الخزينة عند نحو 65 في المائة، ثم خفضها تدريجيا إلى حوالي 63 في المائة في أفق 2029.
العجز هو الفرق بين ما تنفقه الدولة وما تحصله من موارد. وعندما تكون النفقات أكبر من المداخيل، تلجأ الدولة عادة إلى الاقتراض. لذلك لا يعني خفض العجز تقليص كل الإنفاق، بل يفترض تحسين المداخيل وترشيد النفقات وتوجيه المال نحو البرامج الأكثر فعالية.
وتتوقع المندوبية السامية للتخطيط أن يبلغ عجز الميزانية 3.2 في المائة في 2027، بينما تتحدث الحكومة عن هدف 3 في المائة. ويؤكد المساران عموما رغبة الدولة في مواصلة خفض العجز تدريجيا.
ضبط نفقات الوزارات
دعا رئيس الحكومة القطاعات الوزارية إلى ترشيد نفقات التسيير والتجهيز، وحصر طلبات المناصب المالية الجديدة في الحاجيات الضرورية، مع إعطاء الأولوية للبرامج ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الواضح.
ولا يعني ترشيد النفقات بالضرورة خفض ميزانيات الصحة والتعليم، بل يفترض تقليل المصاريف غير ذات الأولوية، وتحسين الصفقات العمومية، وتفادي تكرار البرامج بين الوزارات، وتسريع تنفيذ الاعتمادات التي تظل أحيانا غير مستعملة رغم برمجتها.
إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية
من المنتظر أن تستمر عملية إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، عبر إعادة هيكلة بعض الهيئات، وتحسين حكامتها، وتقليص التداخل بين اختصاصاتها، وربط الدعم العمومي بالنتائج.
وتكتسي هذه العملية أهمية لأن بعض المؤسسات تنفذ استثمارات استراتيجية، بينما تعاني أخرى من ديون أو ضعف المردودية، ما قد ينقل مخاطرها في النهاية إلى ميزانية الدولة. وقد أشار البنك الدولي إلى أن المخاطر المرتبطة بالمؤسسات العمومية والضمانات التي تقدمها الدولة يجب أن تظل جزءا من تقييم استدامة المالية العامة.
أبرز المخاطر التي قد تربك الميزانية
تواجه ميزانية 2027 مجموعة من المخاطر الخارجية والداخلية.
أولها تقلب أسعار الطاقة؛ فالمغرب يستورد جزءا كبيرا من حاجياته، وأي ارتفاع في النفط أو الغاز يرفع فاتورة الواردات وكلفة النقل والإنتاج والدعم.
ثانيها الجفاف؛ إذ ما يزال الأداء الفلاحي يؤثر بقوة في النمو ودخل الأسر القروية وأسعار الغذاء. ولهذا بنت المندوبية توقعها المتحفظ لعام 2027 على فرضية موسم حبوب متوسط.
ثالثها تباطؤ الاقتصاد الأوروبي، لأنه السوق الرئيسية لعدد من الصادرات المغربية ومصدر مهم للسياح والاستثمارات.
رابعها ارتفاع كلفة المشاريع الكبرى؛ فتنفيذ عدة أوراش في الوقت نفسه قد يؤدي إلى ضغط على التمويل ومواد البناء واليد العاملة، ويزيد مخاطر التأخر أو تجاوز الميزانيات الأولية.
خامسها ضعف أثر النمو على التشغيل. فقد تحقق البلاد نموا واستثمارات مرتفعة، لكن المواطن لن يلمس أثرها إذا لم تتحول إلى دخل وفرص عمل وخدمات جيدة.
نقاط ستكون محط نقاش في البرلمان
من المرجح أن يتركز النقاش البرلماني على خمسة ملفات: واقعية فرضية النمو، وحجم النفقات المرتبطة بكأس العالم والبنيات التحتية، وتمويل الدولة الاجتماعية، ومستوى الدين والعجز، والعدالة في توزيع الاستثمار بين الجهات.
كما سيبرز النقاش حول العدالة الجبائية: من يؤدي الضرائب؟ وهل تتحمل الأسر والطبقة المتوسطة الحصة الأكبر عبر ضرائب الاستهلاك، أم ستتوسع مساهمة الأنشطة ذات المداخيل والأرباح المرتفعة؟ وهل ستراجع الإعفاءات الضريبية التي لا تنتج استثمارا أو وظائف قابلة للقياس؟
متى تظهر التفاصيل النهائية؟
المذكرة التوجيهية ليست مشروع القانون نفسه. فهي تعليمات تحدد للوزارات السقف السياسي والمالي الذي يجب احترامه عند تقديم مقترحاتها.
بعد ذلك تجمع وزارة الاقتصاد والمالية طلبات القطاعات، وتجري مفاوضات حول الاعتمادات والمناصب والتدابير الضريبية، ثم يُعتمد المشروع داخل الحكومة ويحال على البرلمان في الآجال الدستورية والقانونية.
وعند نشر المشروع الكامل ستظهر الأجوبة الدقيقة بشأن الضرائب، والدعم، والمناصب المالية، وميزانيات الوزارات، وحجم الاقتراض، وتوزيع الاستثمار حسب الجهات.
التعاليق