«مسار» المتعثر… حين تتحول رقمنة التعليم إلى طابور إداري على الإنترنت
لم تعد الرقمنة في قطاع التربية الوطنية ترفًا تقنيًا أو شعارًا يزين العروض الحكومية، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من الحياة اليومية لملايين التلاميذ والأسر والأساتذة والأطر الإدارية. غير أن التجربة التي تقدمها منظومة «مسار» تكشف، في كثير من الأحيان، أن وزارة التربية الوطنية نجحت في نقل الإجراءات إلى الشاشة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء خدمة رقمية مستقرة وفعالة وتحترم وقت مستعمليها.
بحسب وزارة التربية الوطنية، تتيح منظومة «مسار» للأساتذة إدخال النقط والغيابات وبرمجة فروض المراقبة المستمرة، كما تمكن التلاميذ وأولياء أمورهم من الاطلاع على النتائج واستعمالات الزمن والغيابات والواجبات المنزلية، فضلًا عن خدمات إدارية وتربوية أخرى. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بموقع ثانوي يمكن تعطله من دون أثر، بل بمنظومة أصبحت تتدخل في تفاصيل المسار الدراسي والإداري للتلميذ والأستاذ على السواء.
لكن المفارقة أن المنصة التي يُفترض أن تختصر الزمن وتخفف العبء الإداري تتحول، عند فترات الضغط، إلى مصدر إضافي للتوتر. بطء في الولوج، صفحات لا تستجيب، جلسات تنقطع، ومحاولات متكررة لإدخال المعطيات أو الاطلاع عليها. وقد سبق أن أثارت أعطاب المنظومة استياء الأساتذة، كما أربكت تلاميذ البكالوريا وأسرهم خلال فترات الإعلان عن النتائج. وهي شكاوى لم تظهر بالأمس، بل تعود تقارير عنها إلى سنوات، بما يجعل الحديث عن حادث تقني عابر أقل إقناعًا من الحديث عن خلل مزمن في تدبير الخدمة.
المشكلة هنا ليست أن نظامًا معلوماتيًا تعرض لعطل؛ فأكبر المنصات الرقمية في العالم قد تتوقف. المشكلة هي أن الأعطاب تتكرر في مواعيد يمكن توقعها مسبقًا: عند إدخال النقط، وإعلان النتائج، وإنجاز العمليات الإدارية الجماعية. أي في الفترات التي يرتفع فيها عدد المستخدمين بصورة معروفة سلفًا.
وحين تعجز منصة مركزية عن استيعاب الضغط في أكثر اللحظات حساسية، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجَّه إلى الأستاذ الذي حاول الولوج مرات عديدة، ولا إلى التلميذ الذي ظل يحدّث الصفحة منتظرًا نتيجته، بل إلى الجهة التي صممت الخدمة وتدبرها: أين التخطيط للضغط الموسمي؟ وأين اختبارات القدرة والاستمرارية؟ وأين خطط التدخل السريع والبدائل العملية عند التعطل؟
رقمنة المرفق أم رقمنة معاناته؟
التحول الرقمي الحقيقي لا يعني استبدال الورقة بخانة إلكترونية، ولا نقل الطابور من باب الإدارة إلى شاشة الحاسوب. الرقمنة الجيدة تعني خدمة أسرع، وإجراءات أبسط، وأخطاء أقل، وإمكانية واضحة لتتبع الطلبات وتصحيح المعطيات والحصول على الدعم.
أما حين يظل الأستاذ مطالبًا بإعادة المحاولة في أوقات متأخرة حتى يتمكن من إدخال النقط، وحين ينتظر التلميذ أو ولي أمره انتهاء العطل التقني ليطلع على معلومة دراسية أساسية، فإن الوزارة لا تكون قد ألغت البيروقراطية، بل منحتها كلمة مرور.
بل إن الرقمنة الرديئة قد تكون أسوأ من المسطرة الورقية؛ لأن الورقة، رغم بطئها، لا تتوقف بسبب ضغط المستخدمين، ولا تعرض رسالة غامضة، ولا تغلق الجلسة قبل حفظ العمل.
لقد أُنشئ مشروع «مسار»، وفق تقديمه الرسمي، بهدف إقامة منظومة معلوماتية متكاملة للتدبير المدرسي، وإرساء طرق جديدة للعمل، وتكوين قاعدة وطنية للمعطيات. لكن اتساع الوظائف والمسؤوليات يجعل استقرار النظام وجودته شرطين أساسيين، لا تفصيلين تقنيين يمكن التساهل معهما.
من يتحمل الكلفة الخفية؟
قد لا تظهر كلفة أعطاب «مسار» في الميزانية الحكومية بصورة مباشرة، لكنها تُدفع يوميًا من وقت الأساتذة والإداريين والأسر.
الأستاذ الذي يعيد إدخال المعطيات أو ينتظر عودة المنصة يدفع الكلفة من وقته الشخصي. والإدارة التربوية التي تبحث عن حلول مؤقتة أو تعيد التواصل مع المستخدمين تدفعها من ساعات العمل. والتلميذ الذي ينتظر نتيجة أو وثيقة أو قرار توجيه يدفعها في شكل قلق وتأخر وعدم يقين.
وعندما يتعطل النظام، تتحول الأخطاء التقنية إلى ضغط بشري. وبدل أن توفر التكنولوجيا وقت الأستاذ لعمله التربوي، تضيف إليه مهمة مطاردة منصة لا تستجيب.
المفارقة أن الخطاب الرسمي حول التحول الرقمي يؤكد ضرورة تقديم خدمات عمومية رقمية عالية الجودة، تتمحور حول تجربة المستخدم وتيسير الولوج إلى الخدمة. غير أن جودة الرقمنة لا تُقاس بعدد المنصات التي أُطلقت، بل بقدرتها على العمل عندما يحتاجها المواطن، خصوصًا في ساعات الذروة.
غياب التواصل يزيد العطل سوءًا
في الخدمات الرقمية المحترفة، لا يكفي إصلاح العطل تقنيًا. ينبغي إبلاغ المستخدمين بطبيعته، ونطاقه، والخدمات المتأثرة به، وتقديم بدائل واضحة إلى حين استعادة النظام.
أما الصمت، وترك الأساتذة والتلاميذ يتبادلون التخمينات والحلول الفردية، فيحوّل الخلل التقني إلى أزمة ثقة. المستخدم لا يعرف هل المشكلة في حسابه، أم في الاتصال، أم في المنصة المركزية. وقد يقضي ساعات في تغيير كلمات المرور والمتصفحات، بينما العطل في مكان لا يملك أي سلطة عليه.
وزارة تدير معطيات دراسية وإدارية لملايين المستخدمين مطالبة بصفحة علنية تعرض حالة الخدمات، وبنظام إشعارات فوري، وبقنوات دعم تستجيب فعليًا، لا بعناوين إلكترونية تتحول فيها الشكاية إلى رسالة أخرى تنتظر دورها في المجهول.
المطلوب ليس منصة جديدة
اعتادت الإدارات العمومية مواجهة ضعف المنصات بإطلاق منصات أخرى، وكأن المشكلة في الاسم أو الواجهة. لكن «مسار» لا يحتاج إلى شعار جديد بقدر حاجته إلى مراجعة تقنية وحكاماتية شاملة.
المطلوب افتحاص مستقل لأداء المنظومة، وقياس قدرتها على استيعاب الضغط، ونشر مؤشرات دورية عن مدة توفر الخدمة وعدد الأعطاب ومتوسط زمن إصلاحها. كما ينبغي إشراك الأساتذة والإداريين والتلاميذ والأسر في تقييم تجربة الاستخدام، لأن المهندس قد يرى أن الزر يعمل، بينما يعرف الأستاذ أنه يحتاج إلى عشر محاولات حتى يحفظ النقط.
ويجب أيضًا توفير آليات تسمح بحفظ العمل مؤقتًا واستكماله عند عودة الاتصال، وتبسيط الواجهات، وتقليص الخطوات المتكررة، وإنشاء دعم تقني قريب من المؤسسات التعليمية، بدل تحميل المدير أو الأستاذ مسؤولية حل مشكلات لا علاقة لها بمهامه الأصلية.
الرقمنة ليست صورة تذكارية
يمكن للوزارة أن تتحدث طويلًا عن المدرسة الرقمية والتحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي. لكن صدقية كل ذلك تبدأ من سؤال بسيط: هل يستطيع الأستاذ إدخال النقط دون معاناة؟ وهل يستطيع التلميذ الاطلاع على نتيجته عندما تعلن؟ وهل يحصل ولي الأمر على المعلومة من أول محاولة؟
الدول لا تصبح رقمية بإطلاق الروابط، بل ببناء خدمات مستقرة وآمنة وسهلة وقابلة للمساءلة.
لقد كان يفترض في «مسار» أن يكون نموذجًا لتحديث الإدارة التربوية، لكنه تحول، بفعل الأعطاب المتكررة وضعف التواصل، إلى نموذج للفارق الواسع بين الخطاب الرقمي والتجربة الفعلية للمستخدم.
ومادامت الوزارة تطلب من التلاميذ والأساتذة احترام الآجال المحددة لإدخال المعطيات وإنجاز العمليات، فمن حق هؤلاء أيضًا أن يطالبوها باحترام التزام أبسط: أن تكون المنصة متاحة عندما يحين الأجل.
فالرقمنة التي تتعطل عند أول اختبار جدي ليست انتقالًا رقميًا، بل إدارة تقليدية ترتدي واجهة إلكترونية.
التعاليق