مخاطر الهجرة …هل يحتاج المغرب إلى منظومة إنذار مبكر للرصد الرقمي؟
لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية تبدأ عند السياج الحدودي أو على الشاطئ. ففي كثير من الحالات، تنطلق الرحلة قبل ذلك بأيام أو أسابيع داخل الفضاء الرقمي، حيث تُنشر المعلومات عن المسارات، وتُحدد نقاط التجمع، وتُعرض خدمات النقل والعبور، وتُروّج تأويلات مضللة للقوانين والقرارات القضائية.
وتكشف التحولات التي عرفتها شبكات تهريب المهاجرين أن الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح جزءا من البنية التشغيلية لرحلات الهجرة غير النظامية؛ فمن خلاله تُبنى الثقة بين المرشح للهجرة والوسيط، وتُرسل المواقع الجغرافية، وتُحدد الأسعار والمواعيد، وتُعرض صور من قيل إنهم نجحوا في الوصول إلى الضفة الأوروبية.
ويضع هذا التطور المغرب أمام تحدٍّ جديد، لا يتعلق فقط بمراقبة حدوده البرية والبحرية، وإنما بالقدرة على التقاط الإشارات الرقمية التي تسبق تشكل الضغط الميداني، وتحويلها إلى إنذارات تسمح بالتدخل قبل انتقال التعبئة من الشاشات إلى الحدود.
المغرب بلد منشأ وعبور واستقرار
تزداد أهمية هذا الرهان بالنظر إلى الموقع المركب الذي يحتله المغرب داخل منظومة الهجرة الإقليمية. فالمملكة ليست فقط بلدا ينطلق منه مواطنون في اتجاه أوروبا، بل تعد كذلك منطقة عبور ووجهة استقرار مؤقت أو دائم لمهاجرين قادمين من إفريقيا جنوب الصحراء ومناطق أخرى.
وبذلك، يتعامل المغرب مع حركات متزامنة تشمل هجرة مواطنيه بصورة غير نظامية، ووصول مهاجرين إلى أراضيه، وعبور آخرين في اتجاه السواحل الشمالية والغربية، فضلا عن استقرار فئات منهم داخل المدن المغربية.
ويعني ذلك أن أي منظومة وطنية للرصد الرقمي لا ينبغي أن تقتصر على توقع محاولات العبور نحو سبتة ومليلية أو السواحل الإسبانية، بل يفترض أن تستهدف بالأساس تتبع إعادة تشكيل المسارات القادمة من الساحل والصحراء وغرب إفريقيا، ونشاط الشبكات التي تتعامل مع المغرب باعتباره محطة عبور واستقرار وسوقا لخدمات التهريب.
شبكات التهريب تنتقل إلى الإنترنت
لم تعد شبكات تهريب المهاجرين تعتمد حصرا على الوسطاء الذين يتحركون في المقاهي ومحطات النقل والمناطق القريبة من الحدود. فقد انتقلت أجزاء مهمة من نشاطها إلى شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل المشفر.
وتستعمل هذه الشبكات المنصات الرقمية للإعلان عن خدماتها، وبناء سمعة مزعومة عبر شهادات وصور نجاح، وتحديد نقاط الالتقاء، وإرسال المواقع وخطوط السير، وتحصيل دفعات مسبقة، وتكييف التحركات مع نشاط الدوريات الأمنية.
كما تستخدم المجال الرقمي لنشر معلومات قانونية مجتزأة أو كاذبة، مثل الادعاء بفتح الحدود، أو وقف عمليات الإعادة، أو وجود إجراءات تسوية تضمن البقاء بمجرد الوصول إلى الأراضي الأوروبية.
ولا يعني ذلك أن التهريب أصبح عملية رقمية بالكامل، لأن النقل والإيواء واستعمال القوارب والمركبات تبقى أنشطة ميدانية. لكن الفضاء الرقمي أصبح يضطلع بوظيفة الاستقطاب والتنظيم والتوجيه، ويمنح الشبكات قدرة أكبر على الوصول إلى أعداد واسعة خلال فترة قصيرة.
لماذا لا تكفي مراقبة الحدود؟
تستطيع الكاميرات والرادارات والدوريات البرية والبحرية اكتشاف التجمعات والمركبات والقوارب عندما تقترب من المجال الحدودي، لكنها ترصد في الغالب المرحلة الأخيرة من العملية.
أما التحليل الرقمي، فيمكنه اكتشاف المؤشرات التي تسبق التحرك، مثل الانتشار المفاجئ لإشاعة عن فتح مسار، أو ارتفاع الحديث عن شاطئ أو مدينة محددة، أو ظهور حسابات تعرض خدمات النقل والإيواء، أو انتقال النقاش من الحديث العام إلى تحديد موعد ومكان وسعر للعبور.
ولا تشكل كل إشارة منفردة دليلا على وجود عملية منظمة. فالحديث عن مدينة مثل الناظور أو الفنيدق أو الداخلة لا يعني في حد ذاته وجود خطر. لكن تزامن عشرات الحسابات في نشر المضمون نفسه، وإحالتها إلى أرقام اتصال محددة، وتداولها خرائط ومواعيد متقاربة، يمكن أن يشكل إنذارا يستوجب التحقق.
ما المؤشرات التي ينبغي تتبعها؟
يفترض أن يعتمد الرصد على السلوك والمحتوى، وتشمل مؤشرات التعبئة الجماعية الارتفاع السريع في عدد المنشورات المتعلقة بمسار محدد، وتكرار الدعوات إلى التوجه نحو منطقة معينة، وتداول مواعيد موحدة، واستعمال عبارات استعجالية من قبيل أن الفرصة لن تتكرر.
أما مؤشرات تقديم خدمات التهريب، فتتعلق بالإعلان عن أسعار العبور، وتوفير أرقام للحجز، وعرض وسائل النقل أو الإيواء أو الوثائق، وتحديد نقاط الالتقاء، وطلب دفعات مالية مسبقة، وتقديم ضمانات وهمية بالوصول.
ولا ينبغي أن يؤدي كل منشور أو تفاعل رقمي إلى تدخل أمني. لذلك تبرز الحاجة إلى نظام تدريجي يصنف المخاطر بحسب طبيعتها وخطورتها.
في المستوى الأول، يقتصر الأمر على المتابعة التحليلية للمحتوى العام المرتبط بأخبار الهجرة والحدود والشهادات الشخصية، دون جمع بيانات شخصية غير ضرورية.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالتضليل واسع الانتشار، مثل الادعاء بفتح الحدود أو وقف الإعادة. وهنا ينبغي أن تكون الاستجابة تواصلية بالأساس، من خلال إصدار تصحيح رسمي سريع، والتواصل مع وسائل الإعلام والمجتمع المدني، وتقديم معلومات دقيقة للفئات المستهدفة.
ويبدأ المستوى الثالث عندما تنتقل المضامين إلى التحضير العملي، من خلال تحديد المواعيد ونقاط التجمع والأسعار ووسائل النقل. وفي هذه الحالة يصبح من الضروري حفظ الأدلة الرقمية، والتحقق من الروابط والحسابات، وتنبيه الأجهزة الميدانية، وإشراك النيابة العامة عند ظهور شبهة جنائية.
الحاجة إلى مركز وطني للتحليل الرقمي للهجرة
يطرح هذا التحول فكرة إنشاء وحدة وطنية دائمة للإنذار المبكر والتحليل الرقمي للهجرة والحدود، لا تشتغل موسميا عند وقوع الأزمات، بل تعمل بصورة مستمرة على جمع الإشارات وتحليلها وتنسيق الاستجابة.
ولا ينبغي أن تكون هذه الوحدة مجرد فريق لمراقبة حسابات التواصل الاجتماعي، بل منصة مشتركة تضم مصالح مراقبة الحدود، والأمن الوطني، والدرك الملكي، ووحدات مكافحة الجرائم السيبرانية، والنيابة العامة، والإنقاذ البحري، والوقاية المدنية، وقطاعات حماية الطفولة ومحاربة الاتجار بالبشر.
كما تحتاج إلى مهندسي بيانات، ومتخصصين في تحليل الشبكات، وخبراء اجتماعيين ولغويين.
فالشبكات الرقمية لا تستخدم لغة معيارية واحدة، بل تمزج بين اللهجات والأرقام والرموز والصور والرسائل الصوتية والأسماء المستعارة، ما يجعل التحليل الآلي المبسط عاجزا عن فهم جزء كبير من محتواها.
ربط الشاشة بالميدان
لا قيمة للرصد الرقمي إذا بقي حبيس التقارير ولم يؤثر في القرار الميداني. لذلك ينبغي أن يخضع العمل لدورة واضحة تبدأ بإشارة رقمية، ثم تحقق بشري، وتقدير لمستوى الخطر، ومقارنة بالمعلومات الميدانية، قبل اتخاذ القرار وتقييم نتائجه.
فإذا رصدت الوحدة ارتفاعا في الحديث عن مسار معين، يتعين التحقق مما إذا كانت المنطقة تعرف تحركات غير عادية، مثل ارتفاع الطلب على وسائل النقل، أو تجمعات قرب المحطات، أو نشاط قوارب ومركبات مشبوهة، أو زيادة في إيجار مساكن مؤقتة.
ويجب أن يعمل الربط في الاتجاه المعاكس أيضا. فعندما تضبط الأجهزة شبكة تهريب أو رحلة غير نظامية، ينبغي تحليل هواتفها وحساباتها ومساراتها الرقمية، في إطار القانون، لفهم أساليب الاستقطاب وتحديث قاعدة المؤشرات.
تعاون مؤسساتي مع المنصات
تحتاج السلطات المغربية كذلك إلى الانتقال من إرسال بلاغات متفرقة إلى الشركات الرقمية إلى بناء قنوات مؤسساتية منتظمة معها.
ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء نقاط اتصال للحالات المستعجلة، ووضع بروتوكولات لحفظ الأدلة قبل حذف الحسابات، وتدريب المشرفين على فهم الدارجة والسياق المغربي، وتسريع معالجة المحتوى الذي يعرض خدمات التهريب أو يستغل القاصرين.
كما يمكن للمنصات إظهار تحذيرات عند البحث عن مسارات شديدة الخطورة، وإحالة المستخدمين إلى معلومات قانونية وإنسانية موثوقة، ومنع تحقيق الأرباح من المحتوى الذي يستغل معاناة المهاجرين.
غير أن التعاون ينبغي أن يميز بين حفظ البيانات، وتقييد الانتشار الخوارزمي، وحذف المحتوى، وتقديم معلومات عن المستخدمين بموجب مسطرة قضائية، لأن الخلط بين هذه الإجراءات قد يؤدي إلى ضياع الأدلة أو حذف غير مبرر أو انتهاك الخصوصية.
منظومة عابرة للحدود
لا تستطيع دولة واحدة مواجهة شبكة تعمل في عدة بلدان. فقد يدار الحساب من دولة، ويستهدف أشخاصا في دولة ثانية، ويطلب الدفع عبر وسيط في دولة ثالثة، بينما تنفذ الرحلة في دولة رابعة.
ولهذا تحتاج المنظومة المغربية إلى تبادل الإنذارات مع الشركاء الأوروبيين والإفريقيين ودول المنشأ والعبور، بما يسمح باكتشاف الخطط في بدايتها، بدل انتظار وصول آثارها إلى الحدود المغربية.
كما ينبغي تطوير آليات الوصول القانوني إلى الأدلة الإلكترونية العابرة للحدود، وربط التحقيقات الرقمية بالتحقيقات المالية، لأن تتبع حركة الأموال قد يكشف بنية الشبكة بصورة أدق من مراقبة المنشورات وحدها.
من التجريب إلى التعميم
يمكن إطلاق المشروع عبر ثلاث مراحل، تبدأ بوضع الأساس القانوني، وإعداد معجم متعدد اللغات للمؤشرات، وتحديد درجات الخطر، وتعيين نقاط الاتصال مع المنصات والشركاء الدوليين.
ثم ينتقل إلى تجربة محدودة في بعض المسارات والأقاليم، مع قياس عدد الإشارات المرصودة، ونسبة التنبيهات الصحيحة، وسرعة وصولها إلى الميدان، وعدد الحالات التي ساهم فيها الرصد في الإنقاذ أو الوقاية، إضافة إلى تقييم الأخطاء والتصنيفات غير السليمة.
وبعد تقييم المرحلة التجريبية، يمكن دمج الوحدة داخل منظومة وطنية للحدود والهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر، مع تشغيل مستمر للحالات الحرجة وإصدار تقارير دورية عن أنماط المخاطر.
الحدود تبدأ من الإشارة الرقمية
تكشف التحولات الأخيرة أن الحدود لم تعد تبدأ عند السياج أو الساحل، بل عند اللحظة التي يقنع فيها حساب رقمي مجموعة من الأشخاص بأن الطريق مفتوح، أو أن المهرب قادر على ضمان العبور، أو أن القانون تغير، أو أن الرحلة لا تحمل مخاطر.
ولهذا يحتاج المغرب إلى الانتقال من أمن حدودي قائم أساسا على رد الفعل إلى حوكمة استباقية للمخاطر الرقمية المرتبطة بالهجرة.
ولا يعني ذلك مراقبة المهاجرين أو إسكات النقاش العام، بل بناء قدرة مؤسساتية تميز بين المعلومة والتضليل، وبين التوثيق والاستقطاب، وبين التواصل الإنساني والتخطيط الإجرامي.
فالنجاح لا يقاس بعدد الحسابات المحذوفة، وإنما بقدرة الدولة على اكتشاف الخطر قبل تحوله إلى حركة جماعية، وإنقاذ الأرواح قبل وصولها إلى البحر، وتفكيك الشبكات قبل انتقالها من الفضاء الرقمي إلى الميدان.
التعاليق