محطة تحلية الدار البيضاء تدخل الخدمة في فبراير 2027.. هل سيتغير سعر الماء ؟
يرتقب أن تدخل المرحلة الأولى من محطة تحلية مياه البحر للدار البيضاء حيز الاستغلال في فبراير 2027، بطاقة إنتاجية تبلغ 200 مليون متر مكعب سنويا، قبل رفعها لاحقا إلى 300 مليون متر مكعب، وفق ما أعلنه وزير التجهيز والماء نزار بركة أمام مجلس النواب.
ويمثل هذا الموعد تحولا أساسيا في منظومة تزويد الدار البيضاء الكبرى بالماء، بعدما ظلت العاصمة الاقتصادية تعتمد بدرجة كبيرة على الموارد السطحية القادمة من السدود، ولا سيما منشآت حوض أم الربيع التي تعرضت خلال سنوات الجفاف لضغط شديد وتراجع متواصل في مخزونها.
ولا يتعلق المشروع بمحطة محلية تخدم مدينة الدار البيضاء وحدها، بل ببنية مائية ضخمة يفترض أن تؤمن حاجيات نحو 7,5 ملايين نسمة، وأن تزود مناطق بالدار البيضاء وسطات وبرشيد بالماء الصالح للشرب، إلى جانب تخصيص جزء من قدرتها النهائية للري الزراعي.
ماذا ستنتج المحطة فعليا؟
ستبلغ قدرة المرحلة الأولى نحو 200 مليون متر مكعب سنويا، أي قرابة 550 ألف متر مكعب يوميا، ستوجه أساسا إلى إنتاج الماء الصالح للشرب.
وفي مرحلة ثانية، سترتفع القدرة الإجمالية إلى 300 مليون متر مكعب سنويا، أي حوالي 822 ألف متر مكعب يوميا. ومن هذا الحجم النهائي، يرتقب تخصيص حوالي 250 مليون متر مكعب لمياه الشرب و50 مليون متر مكعب للسقي الزراعي.
وتعني هذه الأرقام أن المحطة ستكون قادرة، بعد استكمال توسعتها، على إنتاج كمية تعادل تقريبا متوسط استهلاك يومي يناهز 110 لترات لكل واحد من 7,5 ملايين مستفيد.
لماذا تحتاج الدار البيضاء إلى هذه المحطة؟
تأتي المحطة نتيجة تغير عميق في المعادلة المائية للمغرب.
فقد ظلت الدار البيضاء تستفيد تاريخيا من مياه الأحواض والسدود، بما فيها موارد حوض أم الربيع. لكن سنوات الجفاف المتتالية، وارتفاع الطلب الحضري والصناعي، وتراجع الواردات المائية، جعلت الاعتماد شبه الكامل على السدود أكثر هشاشة.
وعندما ينخفض مخزون السدود، لا يتأثر ماء الشرب وحده، بل تدخل المدن والفلاحة والصناعة في منافسة على المورد نفسه.
المحطة الجديدة تستهدف فصل جزء من ماء الشرب الحضري عن تقلبات التساقطات. فمياه البحر لا تعتمد على الأمطار، ويمكن إنتاجها بوتيرة مستقرة ما دامت المنشأة والطاقة والشبكات تعمل بصورة طبيعية.
وبذلك، يفترض أن تسمح المحطة بتخفيف الضغط على سدود أم الربيع، وترك حيز أكبر من المياه السطحية لمناطق أو استعمالات لا تتوفر لها بدائل مماثلة.
من يستفيد خارج الدار البيضاء؟
رغم ارتباط اسم المشروع بالدار البيضاء، فإن دائرة الاستفادة تمتد إلى جزء أوسع من جهة الدار البيضاء-سطات.
فالمياه المحلاة ستدخل منظومة الإمداد الموجهة إلى الدار البيضاء الكبرى ومناطق سطات وبرشيد، بينما سيخصص جزء من الإنتاج النهائي لسقي نحو 5 آلاف هكتار، خاصة في المجال الفلاحي القريب من سيدي رحال والمناطق المحيطة بالمشروع.
ويحمل هذا التقسيم هدفين مترابطين: تأمين الماء للسكان، والحد من استعمال المياه العذبة والجوفية في بعض الأنشطة الزراعية.
لكن المرحلة الأولى، وفق المعطيات التقنية المتاحة، ستكون موجهة بالكامل تقريبا إلى الماء الصالح للشرب، قبل إدماج حصة الري مع رفع القدرة إلى 300 مليون متر مكعب.
أين توجد المحطة ومن ينفذها؟
أطلقت أشغال المشروع في يونيو 2024 بجماعة المهارزة الساحل بإقليم الجديدة، بحضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن. وتنفذ المحطة في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال شركة المشروع Al Baida Desalination Company.
ويضم الكونسورسيوم شركة أكسيونا الإسبانية إلى جانب الشركتين المغربيتين Green of Africa وAfriquia Gaz. وتبلغ الكلفة الاستثمارية للمحطة نحو 6,5 مليارات درهم، دون احتساب جزء من البنيات المخصصة لنقل المياه وربطها بالشبكات، الذي يتطلب بدوره استثمارات عمومية إضافية.
وتتولى أكسيونا التصميم والبناء ثم التشغيل والصيانة ضمن عقد طويل الأمد، ما يجعل المشروع نموذجا جديدا في تمويل وتشغيل البنيات المائية الكبرى بالمغرب.
أكبر محطات إفريقيا
عند بلوغ طاقتها النهائية البالغة 300 مليون متر مكعب سنويا، ستصبح المنشأة أكبر محطة لتحلية مياه البحر في إفريقيا، ومن أكبر المحطات عالميا التي تعمل بالطاقة المتجددة.
وتعتمد المحطة تقنية التناضح العكسي، حيث تضخ مياه البحر تحت ضغط مرتفع عبر أغشية دقيقة تسمح بمرور الماء وتمنع الأملاح ومعظم الشوائب.
ويستهلك هذا النوع من التحلية كميات كبيرة من الكهرباء، لذلك يرتبط توازن المشروع اقتصاديا وبيئيا باستخدام الطاقة المتجددة. ووفق الشركة المنفذة، صممت محطة الدار البيضاء لتعمل بنسبة 100 في المائة بطاقة متجددة.
هل هي نهاية العطش في الدار البيضاء؟
المحطة ستقلص الخطر، لكنها لن تلغيه بصورة نهائية.
فالأمن المائي لا يعتمد على منشأة واحدة، مهما بلغت قدرتها. بل يحتاج إلى مزيج من المصادر يشمل السدود، وتحويل المياه بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وحماية المياه الجوفية، وتقليص التسرب داخل الشبكات، وترشيد الاستهلاك.
كما أن التحلية نفسها تواجه قيودا مرتبطة بكلفة الطاقة والصيانة والأغشية والمواد المستعملة، إضافة إلى ضرورة التخلص الآمن من المياه شديدة الملوحة المتبقية بعد عملية المعالجة.
لذلك، يفترض أن تعمل المحطة كضمانة إضافية داخل منظومة متعددة المصادر، لا باعتبارها بديلا عن إصلاح تدبير الماء.
تأخر التشغيل إلى فبراير 2027
كانت التقديرات الأولى تشير إلى تشغيل المرحلة الأولى في نهاية 2026، قبل أن يعلن الوزير موعد فبراير 2027. وتكشف هذه البرمجة عن فارق زمني محدود مقارنة بالجدول السابق، غير أن الموعد الجديد يظل مرتبطا باستكمال الأشغال والتجارب التقنية وربط المحطة بمنشآت نقل وتخزين الماء.
فإنتاج الماء داخل المحطة لا يكفي وحده. يجب مد الأنابيب، وإنجاز محطات الضخ والخزانات، وربط المياه الجديدة بالشبكة دون الإخلال بتوازن الضغط أو جودة الماء الموزع.
وبالتالي، فإن فبراير 2027 لا يمثل فقط تشغيل وحدات التحلية، بل يفترض أن يكون موعد جاهزية سلسلة كاملة تبدأ من سحب مياه البحر وتنتهي بوصولها إلى شبكات التوزيع.
هل ستؤثر المحطة في سعر الماء؟
لم يعلن الوزير، ضمن المعطيات المتاحة، عن أثر مباشر على تعرفة الماء التي يؤديها المستهلك.
عادة ما يكون الماء المحلى أعلى كلفة من الماء المأخوذ من سد قريب، بسبب استهلاك الطاقة والاستثمار في الأغشية والضخ والمعالجة. لكن السعر النهائي الذي يصل إلى المستهلك لا يعكس بالضرورة كلفة كل مصدر بصورة منفصلة، إذ يدمج الماء المنتج من مصادر متعددة داخل منظومة واحدة، وتخضع التعرفة لقرارات تنظيمية واجتماعية.
كما أن نموذج الشراكة اعتمد على سعر تعاقدي لبيع الماء إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بينما يبقى تحديد أثره على فاتورة الأسر مرتبطا بسياسة التسعير والدعم وتوزيع الكلفة داخل المنظومة الوطنية.
مكسب مائي يقابله تحد بيئي
تنتج عملية التحلية، إلى جانب الماء العذب، محاليل شديدة الملوحة تعرف بـ«الرجيع الملحي». وإذا لم يجر تصريفها وتخفيفها وفق ضوابط دقيقة، فقد تؤثر في البيئة البحرية القريبة.
كما يمكن لمآخذ مياه البحر أن تؤثر في بعض الكائنات الصغيرة واليرقات، ما يفرض تجهيزات وتصميما يحدان من الآثار البيئية.
ويقلل الاعتماد على الطاقة المتجددة من البصمة الكربونية للمحطة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مراقبة تأثير تصريف الرجيع الملحي، وجودة المياه الساحلية، وكفاءة استعمال الطاقة.
التعاليق