متى ينتهي النثر و يبدأ الشعر؟
نعلم جيدا أن البداية الحقيقية للإبداع قد اقترنت بالشعر باعتباره جنسا أدبيا جامعا، ولعل كتاب أرسطو فن الشعر، وهو محطة نقدية فاحصة لمفهوم الشعر من خلال تحديده للأجناس الشعرية وغايتها ووظيفتها الفنية والاجتماعية والسياسية، قد أسهم إلى حد كبير في اعتبار الشعرية غريزة انبعثت من الشعراء، فأول ما كتبوا كان شعرا، فكان كل واحد منهم وقريحته في خاصته، وحسب خلقه وعادته، فمن كان أعنف مال إلى المحاكاة بالأفعال الجميلة وبما شاكلها، ومن كان منهم أخس نفسا مال إلى الهجاء، وذلك حين هجوا الأشرار، وقد يطول الحديث عن كتاب فن الشعر لأنه حدد أنواع الشعر وبداياته اقترانا بطباع الناس والشعراء.
لقد كان وراء استدعاء هذه الإشارة للتنبيه عن أسبقية الشعر على النثر، وهي أسبقية مبررة عند أرسطو باقتران الشعر بطباع الناس، اللهم الخطابة التي كانت لغايات غير أدبية بالمرة، لأن فيها كانت تضمن الأفكار والتقنيات الحربية وكل أفكار التدبير السياسي والاجتماعي.
ولكن حين نقول الشعر، الذي لا يمكن أن ينتهي، ولا أن يزاح ويحل محله جنس أدبي، لأننا بصدد لغة هي من صميم الإبداع بكل مكوناته التعبيرية والإيحائية، والرمزية والتصويرية، والإيقاعية، أي أن لغته ونقصد الشعر دائما، عند تودوروف، لا تتجزأ من التركيب، والتشكيل، والترميز، والبناء، والصورة، والإيقاع. وقد نقول في السياق ذاته كون الشعر هو الجنس الأدبي الوحيد الذي تهاجر خصوصياته الفنية ومكوناته الجمالية وبنيته التركيبية (والتخيلية) إلى الأجناس الأخرى وبالأخص التشكيل والموسيقى، وأيضا بتنافذه مع القصة في مفهوم الزمن والصوت.
إن الانتقال الزمني بين الشعر والنثر، لا يتجلى وحسب في البداية أو النهاية، وكأننا نقبر جنسا ونبعث آخر، وإنما ترجأ الأمور إلى منطق التفاعل والكثافة المتحققة بهذا الجنس أو ذاك. ونعتقد أن الصيغ الأسلوبية والأدائية التي تحكم الشعر أو النثر هي الكفيلة بتحديد السمة الشعرية لكل منهما، والكفيلة أيضا في استمرار كل منهما. وقد لا يتعلق الأمر بالتواصل المباشر ، ما دام الشعر محكوم بارتجال جميل وخشن أحيانا، قد ينم عن عبقرية الشعراء، ,أيضا يفسر التفاعل المستمر بين الشعر والناس، فكل مجتمع محكوم بتقاليد أدبية تميل إلى الشعر، وقد تنزاح إلى النثر، وفي الحالتين هناك تفاعل وتلقي إيجابي، ولكن المهم ليس كتابة الشعر أو النثر، وإنما أي شعر وأي نثر يكتبه الشعراء؟ وأي علاقة يقيمونها مع العالم؟
لعل الكوة التي يفتحها مثل هذا السؤال ستستدعي التحرر من قيود الشعر، وقيود النثر، والبحث عن آفاق وبدائل أخرى، كما هو حاصل في قصيدة النثر الآن، هل هي شعر أم نثر، أم هما معا. قد أجاب عن هذا السؤال جان كوهن، ولو بامتعاض حينما أكد أن المفهوم يسلب كلمة قصيدة، وفي واقع التحديد يفرض مفهوم قصيدة النثر إعادة صياغة تعريف جديد لمفهوم الشعر ولكن بالاحتفاظ بالهوية الجنسية الشعرية. هذا إذا افترضنا، مع الشاعر أمجد ناصر، كون قصيدة النثر هي شعر حقيقي يخفي طبيعته الشعرية.
لقد أسلفت القول إن محتوى مفهوم الشعر غير ثابت فهو يتغير مع الزمن، إلا أن الوظيفة الشعرية؛ أي الشاعرية على حد تعبير رومان جاكبسون عنصر فريد ومستقر، فلو اعتدنا بآراء المتحمسين للشعر، فإنهم في كل مرحلة يمررون بيانات تعكس سخطهم عن خيانة وتفسخ الشاعر، ومع ذلك يقرون بالثوابت الكبرى الكامنة في الوظيفة الشعرية. وهي الوظيفة نفسها التي يراهن عليها كاتب النثر ويستدعيها، مع العلم أن مكون مثل التوازي لا يستقر حاله إلى في الشعر، باعتبار الشعر أولا وأخيرا هو كلام موزون ومقفى على حد تعبير قدامة بن جعفر، فمن خلال هذه البنية الثابتة في الشعر، نرى إن مكون الشعر من خلال القولة، وأقصد كلمة موزون، هو مكون إيقاعي الذي يتحقق بالوزن، والتوازن، والأداء، وهي مكونات شعرية خالصة، لازمت الشعر منذ بدايته، وضمنت له تميزا سواء في التلقي أو التأويل. وحين نقر بعنصر التوازي في الشعر فالقصد هو عناصر لغوية مشخصة؛ كتردد الصوامت، والصوائت (التجنيس والترصيع) اتصالا وانفصالا في مستويات من التمام والنقص حسب تعبير المتقدمين. ومع ذلك فإن مختلف التوتر الذي أثير حول قصيدة النثر بإخراجها من من حيز الشعر، هو إقصاء لشعرية التوازن، فهي ليست نثرا وظيفيا لغاية الإفهام، إنها شعر له تصور جديد لمفهوم التوازن الصوتي الذي نعني به أساسا اتفاق الأصوات واختلاف الدلالة.
لقد أوضحنا كل ما يتصل بالفاعلية الشعرية للشعر، ولو باقتصاد شديد، حتى نقر أن بداية الشعر اقترنت بطباع الناس، وما أن ظهرت المشاريع البلاغية الكبرى التي تناولته بالتحليل وإبراز ملامحه الأسلوبية والفنية حتى أصبح الشعر عملية إبداعية مقرونة بالجانب الصوتي أكتر من مكون آخر، وهذا ما يفسر اهتمام البديعيين والنقاد به أكثر من اهتمامهم بالأجناس المستحدثة. وقد دعم المكون الصوتي للشعر بمكونات بصرية، واقترحت بدائل أخرى لم تكن في أي زمن من مراحل كتابة وتلقي الشعر سببا في اندثاره أو توقفه أو انتهائه، وإنما أغنته.
التعاليق