رشيد خالص
رشيد خالص
الأربعاء 24 دجنبر 2025 - 05:17

ما هي مآلات مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة بعد توزيعه على الوزراء من طرف الحجوي ؟

أحال الأمين العام للحكومة، محمد الحجوي، خلال بداية الأسبوع الجاري، مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة المحاماة على أعضاء الحكومة قصد دراسته وإبداء الملاحظات، في خطوة تُعدّ من آخر المراحل التقنية قبل إدراجه ضمن جدول أعمال مجلس الحكومة للمصادقة والمضي به في المسطرة التشريعية.

وبحسب معطيات متطابقة تداولتها وسائل إعلام مغربية، فإن النص الذي أعدّته وزارة العدل يحمل رقم 66.23، ويأتي في سياق إصلاحات أوسع تستهدف “تحديث” المهن القانونية والقضائية، لكنه في المقابل فجّر توتراً متجدداً مع الهيئات المهنية للمحامين التي تعتبر أن جزءاً من مقتضياته يتجه نحو “تقنين مُشدد” قد يُضعف استقلالية المهنة ويعيد ترتيب علاقة الدولة بالولوج إليها وبالتأطير والتأديب.

المستجدّ اللافت في هذا المشروع، وفق ما أوردته نفس المصادر، هو أنه يُعيد هندسة مسار الولوج إلى المهنة عبر مجموعة شروط وإجراءات جديدة؛ من أبرزها اعتماد شرط “الماستر” كحدّ أدنى من الشهادات، واعتماد سنّ محدّد للترشح، إلى جانب مباراة، ثم المرور عبر مسار تكوين أكثر “مأسسة” يُتوّج بتقييم نهائي قبل التسجيل.

وتتضمن الصيغة المتداولة من الخطوط العريضة للمشروع تصوراً يقوم على إرساء تكوين مؤسساتي عبر إحداث معهد/مؤسسة تكوين متخصصة، مع توزيع زمن التكوين بين جانب نظري وجانب تطبيقي (تمرين/تدريب)، وانتهاء المسار بامتحان أو تقييم يؤشر للانتقال إلى مزاولة المهنة. كما تذهب نفس المعطيات إلى أن المشروع يضع إطاراً أدق لتدبير “الأموال والممتلكات” المرتبطة بالمهنة ومسؤولياتها، ويُوسع مجالات الضبط والتأديب، في محاولة لربط التنظيم المهني بمتطلبات الحكامة والشفافية ومكافحة الممارسات غير القانونية.

غير أن هذا المسار الإصلاحي، الذي ترى فيه وزارة العدل خطوة لتجويد التكوين وضبط شروط الولوج والارتقاء بالممارسة، قوبل باعتراضات صريحة من داخل الجسم المهني. إذ تُفيد تقارير بأن جمعية هيئات المحامين بالمغرب ومجالس هيئات محامين عبّرت عن رفضها لمقتضيات تُقرأ، من وجهة نظرها، بوصفها “تضييقاً” على الولوج للمهنة وإضعافاً لاختصاصات التنظيم الذاتي للهيئات، مع التخوف من أن يتحول مسار التأطير والتقييم إلى “بوابة تحكم” غير واضحة المعايير، خصوصاً إذا نُقلت مفاصل حاسمة من يد الهيئات إلى بنيات خارجها أو آليات تُدار بمنطق إداري أكثر مما هو مهني.

وتظهر ملامح هذا التوتر أيضاً في النقاش العمومي الدائر داخل المهنة وخارجها: فأنصار التشديد يعتبرون أن المحاماة تتطلب اليوم تكويناً أعلى وانضباطاً أكبر بسبب تعقد النزاعات، واتساع دوائر الجرائم المالية والرقمية، وتزايد التداخل مع مساطر دولية، ما يستدعي رفع عتبة الولوج وتوحيد المعايير والحد من “الفوضى” التي تُلصق بالمجال أحياناً. وفي المقابل، يحاجج المعترضون بأن رفع الشروط قد يُقصي فئات واسعة اجتماعياً، ويحوّل المهنة إلى مجال “نخبوي” أكثر من اللازم، ويخلق اختناقاً في فرص الشباب، في وقت يواجه فيه سوق الشغل أصلاً ضغوطاً كبيرة، كما قد يفتح باباً جديداً لتفاقم التوتر بين المحامين والدولة حول من يملك سلطة تحديد “من يدخل” و”كيف يدخل” و”من يقوّم”.

وفي العمق، لا ينفصل مشروع القانون عن سؤالين كبيرين يلاحقان هذا الملف منذ سنوات: الأول يتعلق بحدود “تدخل الدولة” في تنظيم مهنة تعتبر نفسها جزءاً من منظومة العدالة ورافعة من روافع الحق في الدفاع، والثاني يتعلق بقدرة التنظيم المهني الحالي على معالجة الاختلالات الداخلية (منها ما يرتبط بالتكوين وبالتمثيلية وبالوساطة داخل السوق) دون الحاجة إلى حلول تُفرض من خارج المهنة. بعض التغطيات ذهبت إلى وصف الوضع داخل الحقل المهني بأنه يعيش “انقساماً” بين من يريد إصلاحاً جذرياً ولو بثمن كبير، ومن يطالب بإصلاح “توافقي” يحفظ للمهنة استقلاليتها التاريخية.

أما على مستوى المسطرة، فإحالة الحجوي للمشروع على الوزراء تعني عملياً فتح مرحلة “التداول الحكومي” حول الصياغة قبل المرور إلى مجلس الحكومة؛ وهي مرحلة قد تُفضي إلى تعديلات تقنية أو سياسية تبعاً لتوازنات داخل الأغلبية الحكومية، ولردود الفعل المهنية، ولحساسية الملف داخل الرأي العام القانوني. وفي حال المصادقة عليه حكومياً، ينتقل النص إلى البرلمان حيث يُتوقع أن يشهد نقاشاً ساخناً، بالنظر إلى تاريخ مشاريع إصلاح المحاماة في المغرب وما كانت تثيره عادة من شدّ وجذب بين الوزارة والهيئات.

ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟ السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفق منطق الملفات المشابهة، هو الدخول في مرحلة شدّ حبل بين ثلاث قنوات: قاعة مجلس الحكومة (لتمرير النص)، وفضاء البرلمان (لتعديل المقتضيات الأكثر خلافاً)، والشارع المهني (عبر بيانات ووقفات أو إضرابات جزئية إذا تصاعد الاحتقان). وبين هذه القنوات، سيبقى السؤال المركزي: هل سيُصاغ الإصلاح في النهاية كـ”رفع لمستوى المهنة” بتوافق واسع، أم كـ”تغيير قواعد اللعبة” بما يفتح مواجهة طويلة بين الدولة والمحامين؟

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق