لغات “مغربية”
كل كاتب ينتظر أن تكبر لغته “الأم” لتصير أقوى وأجمل وأمتن. لكن ماذا لو وجدها، بعد عمر طويل، ما زالت شاردة الذهن، تقضم أظافرها، وتلاحق من النافذة شيئا لا يقع فعلا ولا يراه سواها؟ ماذا لو وجدها “كباقي الوشم في ظاهر اليد” أو مثل قارب من ورق داخل إناء يحلم بالإبحار إلى المريخ؟
هناك شعراء وروائيون مغاربة وأجانب كتبوا بلغة مستعمرهم، فهل يمكن أن نعتبرهم “خونة” وهل معنى ذلك أنه ينبغي أن نجلدهم ونملأ جثثهم بالقش والطين ونسحلها بالخيول ونعلق رؤوسهم على الأسوار؟
هل الكتابة بلغة أخرى خيانة عظمى للهوية والتاريخ والجغرافيا؟ وما هي هذه اللغة الأخرى تحديدا؟
أليست كل كتابةٍ “لغةٌ أخرى” في العمق؟ أليست “اللغة الأخرى” هي نهاية الاقتفاء والاستنساخ الذي تهرب منه كل كتابة تريد أن تترسخ، وقبلها أن تكون؟
وبهذا المعنى هل ينبغي أن نناصب العداء لروايات وكتب إدريس الشرايبي والطاهر بنجلون وعبد الحق سرحان وعبد الكبير الخطيبي ومحمد خير الدين وأحمد الصفريوي وزكية داود وعبد الحي السجلماسي وسليم الجاي وعبد القادر الشاط (صاحب أول رواية مغربية كتبت بالفرنسية: “فسيفساء باهتة” التي نشرت في باريس سنة 1932، وكتبها سنة 1930) ؟ هل نعتبرهم “كتيبة الإعدام” الفرنسية التي جاهدت من أجل إطلاق النار على الأدب المغربي المكتوب باللغة العربية؟ هل نحرق هذه الكتب وننكرها ونتظاهر بأنها لم توجد فعلا؟
نحن نطرح هذه الأسئلة الآن ونحن نعي أن مثلها طُرح في الماضي بشراسة أكبر، إلى درجة أن إدريس الشرايبي، صاحب “الماضي البسيط”، قال أمام الاستفزازات المتكررة: “منذ عشر سنوات ودماغي العربيّ، الذي يفكر بالعربية يطحن مفاهيم أوربية على طريقة بالغة العبث، بحيث يحوّلها إلى مرارة فيعتلّ بها”.
لقد ظهرت، حينذاك، عبارات من قبيل “حقّ المواطنة الأدبية الفرنسية”، “تمديد بطاقة الإقامة الأدبية بفرنسا” أو “عرب الخدمة”.. وغيرها من العبارات التي كانت تذكي سوء الفهم الكبير بين فريق يعتبر الكتابة بلغة المستعمر “وجدانٌ لاجئٌ”، وفريق آخر يعتبر “الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية هو أدب فرنسي بأقلام مغاربة”. لكن ينبغي أن نعترف اليوم، مع كل هؤلاء الكتاب المغاربة الذين ولدوا ويولدون من لغات مختلفة، والذين لم يروا بلادهم مستعمرة، أن القضية لم تعد مطروحة على الوجه الذي طرحت به في السابق رغم تفاقم التواطؤ الكلي بين الإمبرياليات والثقافة (إدوارد سعيد).
لم يعد بالإمكان اليوم التسليم بأن كل أدب مكتوب بلغة أجنبية غير العربية (واللغات الأخرى في بلدان أخرى) هو أدب غير وطني، وبأنه أدب الشتات وليس له “الحق في العودة”.
لقد دخل الكتاب المغاربة باللغات العالمية التي استعملوها، كما هم الكتاب باللغة العربية، فضاء المتخيل العالمي أو العبر-قومي. و”كل جهد قائم اليوم من أجل مغربة المغربي، على قياس نزعة أفرقة الإفريقي- كما قال الباحث إدريس الجبروني- هو جهد مضحك، لأن الجوهر لا يمكن أن يظل جوهرا. و قد أكد إدوارد سعيد، في حالة الأدب الأنكلوفوني، أن محاولة تشخيص وضع هذا الأدب ظلت غير مستندة إلى اطِّلاع واسع، ومتسمة بالخشونة وأدواتية هدفها الموافقة والإقرار أو الرفض والإنكار، و”تشجيع حميّة وطنية تكاد تكون عمياء بالمعنى الحرفي”.
لقد ولّدت خشونة الموقف من الأدب المكتوب بلغات الإمبراطوريات ضحايا عقليين ولغويين كثر. خسرت نشاطا وذكاء. فإلى حدود الأمس لم يكن أحد في المغرب يقبل بأن يتولى الكتاب الذين يؤلفون باللغة الفرنسية رئاسة مؤسسة اتحاد كتاب المغرب، أو بيت الشعر. وقد ترك لهذه الفئة فضاءات جمعوية و مؤسساتية ذات طابع مقارن أو لساني أو معجمي، في المغرب كما في الجزائر و تونس و لبنان و مصر… هذه إحدى مخلفات الزوابع الأخيرة لما أسماه أمين معلوف “هويات قاتلة”.. “.
إن ما قيل عن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية يمكن أن ينسحب على الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية أو الإنجليزية (ليلى لمامي) أو الهولندية (عبدالقادر بنعلي، مصطفى ستيتو، حفيظ بوعزة، خالد بودو، ونعيمة البزاز، أحمد الصادقي، محمد أكروح، محمد بن زقور.. إلخ )، أو حتى الإيطالية في بعض النماذج. لكننا لا نستطيع أن نقول، مع كتاب كحمودان وعبد الله الطايع وسهام بنشقرون ونادية بيروك الذين يكتبون بالفرنسية، وحتى مع فؤاد العروي الذي يكتب بالفرنسية والهولندية، أنه “أدب مهرب” أو أدب مسخر لتدمير اللغة الوطنية. فاللغة تتحول، مع الكتاب الجدد الذين لم يجدوا أنفسهم في وضعية دفاع، إلى “إقامة”، وإلى دفق تعبيري يغني اللغة الأم ويميط اللثام عن الأسرار التي تكتنفها، وإلى فعل تحرري يقع خارج الخطوط والرموز والساكن والمتحرك والصحيح والمعتل، وخارج استعمالات الإيديولوجيا الكبرى وأوهام الأصالة والهوية والتبعية. بل يحق لنا الآن أن نفحص بإمعان ما قاله المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي: “إن شطرا كبيرا من الأدب الفرنسي الشمال أفريقي هو أدب عابر، انتقالي، عارض، ظرفي، قليل التعبيرية، لأنه يتصور عند إنتاجه بمثابة غصن منطقي محلي من ثقافة مركزها في مكان آخر و هي وحدها تحبذ ذلك الأدب”. فهل صحيح مع تنامي الكتابة بالفرنسية- ليس من طرف جيل مدارس البعثات بل من شباب الهامش الثقافي- أنها كتابة عابرة وظرفية وعارضة، وهل يستحضر كتابها أن اللغة، كيفما كان نوعها، عالم يحكم كل خطاب بنظامه وقاعدته؟ وهل يشعرون أنهم مُسْتَعْمَرُون، وهل يشعرون بالعقدة نفسها التي عبر عنها أسلافهم؟
ومع ذلك، وحتى إن كنا نستحضر السياق الذي حكم علاقة الكتاب المغاربة باللغة الفرنسية والإسبانية على وجه الخصوص، فإن الإمكانات الممنوحة للكاتب المغربي الذي يكتب بلغة أخرى غير العربية داخل الوطن، هنا والآن، هي إمكانات ضئيلة جدا، بل تكاد تكون منعدمة اللهم في بعض اللقاءات والمسابقات الأدبية التي تحاول إدراج بعض اللغات الأجنبية لأسباب تجارية وسياسية لا علاقة لها بالأدب. وعلى سبيل المثال يمكن أن نطرح السؤال التالي: ما موقع الأدب المغربي المكتوب بالأمازيغية أو بالحسانية أو بالدارجات المغربية؟ وهل إدراج هذه اللغات “خيانة” تمس بالهوية الوطنية؟ أليست هذه اللغات “لغات أخرى” مقارنة مع اللغة العربية (نستحضر هنا بقوة رائز “الظهير البريري” واستعمالاته السياسية ضد المستعمر!).
إن هؤلاء الكتاب الذين وجدوا أنفسهم يكتبون بلغات أخرى، بما فيها الأمازيغية والدارجات الأخرى والحسانية، لم يعوّلوا كثيراً على التجارب الصادمة التي خلفها الصراع بين اللغة الوطنية ولغة المستعمر. لقد اجترحوا لغة مرآوية ثالثة يمكننا أن نرى في انعكاساتها، وتموجاتها أطياف لغات العالم، ولكن بنكهة إبداعية خاصة اندهش لها حتى المقيمون الأصليون في تلك اللغات. بل أضافوا، أي الكتاب المغاربة، واستطاعوا أن يجعلوا من لغاتهم “المغربية” رافدا مهما من روافد إغناء قاموس اللغات التي اختاروا أن يكتبوا بها، بل قاموا بإحداث بنى تخييلية ولغوية ناضجة مكنتهم من أن يتحولوا إلى مراجع في بلدان الاستقبال. وبذلك، أمكن القول، إن الكتاب المغاربة الذين يمارسون الآن ليسوا “كتابَ مستعمراتٍ” أو “كتاباً فلولاً”، بل هم كتاب ناجحون استطاعوا أن يحشروا لغات العالم داخل سفينة نوح، وأن يمخروا العباب بمهارة إبداعية عالية مكنتهم من تباع كتبهم بكثرة، ومن أن يحصلوا على جوائز عالمية تضع الأدب المغربي، بصرف النظر عن الحامل اللغوي والإيديولوجي، في مصاف الآداب العالمية.
التعاليق (1)