إفادة
إفادة
الثلاثاء 23 يونيو - 12:25

لجنة تقصي دعم المواشي تربك الأغلبية.. الأحرار أمام عزلة سياسية

دخل ملف الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية منعطفاً سياسياً جديداً، بعدما قررت مكونات من الأغلبية البرلمانية، إلى جانب الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي الداعم للحكومة، الانخراط في مسار تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق، في خطوة من شأنها أن تعمق الضغط على حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي.

وحسب المعطيات المتداولة، فإن فرق الأصالة والمعاصرة، والاستقلالي للوحدة والتعادلية، والفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، عقدت اجتماعاً للتداول في الدعوة التي وجهتها إليها مكونات المعارضة البرلمانية من أجل الانخراط في تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الوقائع المرتبطة بمختلف أشكال الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي ولقطاع تربية المواشي بصفة عامة.

وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من الجدل السياسي والبرلماني حول ما بات يعرف إعلامياً بملف “دعم الفراقشية”، خاصة بعد ارتفاع أسعار الأضاحي واللحوم، واستمرار التساؤلات حول أثر الدعم والإعفاءات الموجهة للمستوردين على السوق الوطنية والقدرة الشرائية للمواطنين.

وفي جواب رسمي وقّعته الفرق الثلاثة، أكدت أنها، ومن أجل توفير الظروف المواتية لإنجاح هذه المبادرة الرقابية الدستورية، المؤطرة بأحكام القانون التنظيمي المتعلق بطريقة تسيير اللجان النيابية لتقصي الحقائق ومقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، تدعو المعارضة إلى عقد اجتماع للتداول في الموضوع واتخاذ التدابير اللازمة بشأنه.

ويحمل هذا التطور دلالة سياسية ثقيلة، لأنه ينقل المبادرة من مطلب معارضاتي صرف إلى ورقة رقابية تحظى بدعم أطراف من داخل الأغلبية أو من محيطها البرلماني. فبعدما كانت فرق الأغلبية قد ردت سابقاً على المعارضة بمقترح مهمة استطلاعية حول برامج دعم استيراد الأبقار والأغنام واللحوم، تبدو الكفة اليوم متجهة نحو آلية أقوى وأكثر إلزاماً، هي لجنة تقصي الحقائق.

وتكمن حساسية المسار الجديد في أن لجنة تقصي الحقائق ليست مجرد آلية شكلية، بل إطار دستوري يسمح بجمع المعطيات والوثائق والاستماع إلى المسؤولين والفاعلين المعنيين، قبل رفع تقرير إلى مجلس النواب، بما قد يفتح الباب أمام ترتيب مسؤوليات سياسية وإدارية مرتبطة بتدبير الدعم العمومي.

ومن هذه الزاوية، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام وضع سياسي حرج. فالحزب الذي يقود الحكومة، ويتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية السياسية عن تدبير ملفات الفلاحة والأسعار والدعم، لم يعد يواجه ضغط المعارضة وحدها، بل يواجه أيضاً تمايزاً واضحاً من حلفائه أو داعميه داخل المؤسسة التشريعية.

فالتحاق الأصالة والمعاصرة والاستقلال بالمبادرة، ومعهما الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، يبعث برسالة مفادها أن ملف دعم المواشي لم يعد قابلاً للاحتواء بمنطق التضامن الحكومي التقليدي، ولا بمبادرات رقابية أقل حدة مثل المهام الاستطلاعية، بل أصبح يحتاج إلى كشف تفصيلي للمعطيات وتنوير الرأي العام.

كما يكشف هذا التحول عن تصدعات صامتة داخل الأغلبية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالأحزاب المشاركة في الحكومة أو الداعمة لها لا تبدو مستعدة لتحمل الكلفة السياسية الكاملة لملف أثار غضباً اجتماعياً واسعاً، في وقت ظل المواطنون ينتظرون انعكاس الدعم العمومي على أسعار الأضاحي واللحوم دون أن يلمسوا أثراً واضحاً في الأسواق.

وتتمحور المبادرة حول معرفة حجم الدعم والإعفاءات الموجهة لاستيراد المواشي، وعدد المستفيدين منها، ومعايير اختيارهم، ومدى احترامهم للالتزامات المرتبطة بهذا الدعم، إضافة إلى تقييم الأثر الحقيقي لهذه الإجراءات على الأسعار والعرض وحماية القدرة الشرائية.

وتطرح المعارضة منذ أشهر أسئلة حادة بشأن جدوى التدخلات الحكومية في سوق المواشي، خاصة أن الدعم قدم للرأي العام باعتباره وسيلة لضمان وفرة العرض والتحكم في الأسعار، غير أن النتائج المسجلة في الأسواق فتحت الباب أمام اتهامات بضعف الحكامة وغياب الشفافية واستفادة فاعلين محدودين دون أثر اجتماعي ملموس.

وفي حال تم تشكيل لجنة تقصي الحقائق، فإنها قد تتحول إلى واحدة من أبرز المحطات الرقابية في نهاية الولاية الحكومية، بالنظر إلى حساسية الملف وارتباطه المباشر بجيوب المواطنين، وبقطاع الفلاحة، وبصورة الحكومة التي رفعت شعار حماية القدرة الشرائية دون أن تنجح في إقناع جزء واسع من الرأي العام بنجاعة تدخلاتها.

كما أن هذه اللجنة، إذا رأت النور، لن تكون مجرد اختبار للمعارضة، بل ستكون اختباراً للأغلبية نفسها: هل ستقبل بكشف كامل للمعطيات، أم ستسعى إلى ضبط سقف التحقيق؟ وهل ستتعامل الحكومة مع المبادرة باعتبارها آلية دستورية عادية، أم كتهديد سياسي مباشر لموقع حزب رئيس الحكومة؟

وبصرف النظر عن مآل المشاورات، فإن مجرد انضمام مكونات من الأغلبية والداعمين لها إلى مسار لجنة التقصي يعكس تغيراً واضحاً في ميزان الضغط داخل البرلمان، ويؤشر إلى أن ملف دعم المواشي قد يتحول من قضية أسعار موسمية إلى عنوان سياسي كبير في مرحلة ما قبل الانتخابات.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق