“كلنا مطبعون”
في أحد الأفلام المصرية الكوميدية اختار له كاتبه اسم“عايز حقي”، نتابع حكاية شابٍ بسيط لا يملك شيئًا، بدون عمل، ولا أفق يأويه.
صدفة يكتشف أن دستور البلد يمنحه “نصيبًا” من أرض الوطن… فيقرر أن يطالب بحقه، ويبيعه، كان الكاتب ذكيا وساخرًا حينما حول وضعا إلى سؤال كيف يتحول الوطن في ذهن الناس من “معنى” إلى “حصة”؟ ومن “عقد أخلاقي” إلى “سهم قابل للبيع”؟
أكتب هذا اليوم وأنا أرى شيئًا يتكرر أمامنا جميعا، بلا حاجة إلى عدسة مخفية لاثباته، وهي ثقافة المصالح الخاصة التي صارت لغة مشتركة، بدء من الذي يتخذ القرار إلى من يبيعنا الخضر واللحم، فقد أصبح المعيار عند كثيرين ليس: هل هذا صحيح؟ ولا هل هذا نافع للناس؟ بل: هل هو مربح؟ ومن سأُرضي؟ ومن سأشتري؟ ومن سأبيع؟
وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح “الذكاء” مرادفًا للالتفاف، وحين تتحوّل “المهارة” إلى قدرة على ترويض القانون بدل احترامه، وحين يصبح النجاح المهني مختصرًا في الصفقة لا في الإنجاز، عندها لا نكون أمام فسادٍ معزول… بل أمام ثقافة التلون تتسرب كالدخان.
المؤلم أن هذا المزاج الجديد لا يعيش في الظل فقط؛ بل صار يتباهى بنفسه. في الحوارات الجانبية، وفي المقاهي، وفي التعليقات، وفي بعض البرامج، والمنصات، تسمع جملة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة: “كلشي كيديرها… علاش أنا لا؟”
هذه ليست مجرد تبريرات فردية؛ هذه “عدوى” تُحوِّل الاستثناء إلى قاعدة، وتحوّل الحياء إلى سذاجة، وتحول النزاهة إلى “عيب” لا فضيلة.
ثم يظهر النوع الذي كنتَ تشير إليه… ذاك “الكائن الاجتماعي” الذي لا يلتزم إلا بصورة واحدة: صورة تجمعه مع الجميع. لا موقف إلا إذا كان الموقف مربحًا، ولا صداقة إلا إذا كانت نافعة. تراه اليوم “وطنيًا أكثر من اللازم” مع الوطنيين، وغدًا “واقعيًا” مع كل من يُفترض أن يُقاوَم، وبعده “مصلحجيًا لطيفًا” مع من يُفترض أن يُحاسَب. يضحك في كل صورة، ويُصفّق في كل مناسبة، ويعرف كيف يضع قدمًا هنا وقدمًا هناك…
هذا النوع أخطر من المشهر الصريح، ومن الفاسد المفضوح، ومن المتطرف المكشوف. لأن أولئك يمكن أن تُواجههم بالحقائق وبالقانون وبالفضح. أما هذا، فيتسلل من ثغرة “اللطافة” و”العلاقات” و”البراغماتية”، ويقدّم نفسه بوصفه “جامعًا للناس” بينما هو في العمق جامعٌ للمكاسب. يشتري الجميع بعملة واحدة: القرب، الصورة، المجاملة، الابتسامة… ثم يصرفها وقت الحاجة في السوق الحقيقية: سوق النفوذ.
دعوني أعود إلى “عايز حقي”، لأن الفيلم هنا ليس حكاية مصرية لطيفة؛ بل هو مرآة مرعبة حين تُقرأ بجدية. البطل لم يبدأ خائنًا، ولم يبدأ طمّاعًا بالمعنى التقليدي. بدأ فقيرًا يشعر بالانسداد. ثم اكتشف “منطقه”: إذا كان الوطن يمنحني نصيبًا، فلماذا لا أحوّل النصيب إلى مال؟
واليوم، عندنا نسخة محلية من نفس المنطق، لكنها أكثر انتشارًا وأقل براءة:
موظف يرى المنصب “فرصة” لا “أمانة”، منتخب يرى الأصوات “استثمارًا” يجب أن يسترجع رأسماله، واعلاميون يرون الحقيقة مجرد “خامة” تُشكّل حسب الطلب: مرة للتشهير، مرة للتلميع، مرة للتصفية، مرة للتخدير.
السؤال إذن لم يعد: هل هناك فساد؟ هذا أصبح بديهيًا في كل مجتمع بدرجات. السؤال الأخطر: هل صرنا نُطبّع معه ثقافيًا؟
هل صار “الدفاع عن الباطل” وظيفة؟
ان “بيع البلد” لا يحدث بمعناه المباشر. فلا أحد يحمل خريطة ويقول: سأبيعها.
البيع يحدث:
عندما تُباع الحقيقة في خبر.
عندما تُباع العدالة في ملف.
عندما تُباع الكفاءة في تعيين.
عندما تُباع كرامة الناس في محتوى.
عندما يُصبح القانون قابلًا للتفاوض.
هنا فقط نفهم لماذا فيلمٌ ساخر مثل “عايز حقي” يوجع: لأنه يسأل سؤالًا بسيطًا جدًا، لكنه يهدم كثيرًا من الزينة: ماذا يحدث حين يتحوّل الوطن من “نحن” إلى “غنيمة”؟
وماذا يحدث حين يقتنع الناس أن البلد “لا يعطينا شيئًا”… فيقرر كل واحد أن يأخذ “حقه” بيده باي وسيلة؟
أنا لا أكتب لأجل الوعظ، بل أكتب لأننا نحتاج أن نقولها كما هي: هذا المسار إن استمر، سيصنع مجتمعًا بلا ثقة.
وبلا ثقة لا توجد دولة قوية، ولا اقتصاد صحي، ولا سياسة مستقرة، ولا إعلام محترم، ولا حتى علاقات بشرية طبيعية. كل شيء يتحول إلى صفقة، وكل شخص يصير مشروع ابتزاز صغير.
البلد لا يحتاج مزيدًا من الطرق، بل إلى مزيد من الأخلاق بوصفها مصلحة عامة.
لأن الدولة التي لا يحرسها ضمير مجتمعها ستضطر أن تحرس نفسها بمزيد من القسوة… ثم تدفع ثمن الحرية، وثمن الاستقرار.
التعاليق