الأربعاء ٠٧ دجنبر ٢٠٢٢

قلتم “شيخة” أو “شيخات” في عمل إبداعي تخييلي؟

الخميس 21 أبريل 13:04

أين المشكل بالتحديد؟ وهل هناك أصلا مشكل؟ أعتذر،أعتذر لأني اعتقدت في الأعوام القليلة الماضية، سامحني الله، بأننا تجاوزنا النقاشات الأخلاقوية السطحية والتافهة، وكل تلك التصنيفات البالية.

صرنا نتلقف سبا يعتبره البعض نقاشا، ويجب أن نلوم أنفسنا لأننا نحن أعداء أنفسنا في الحياة وفي الفن. ما علينا الآن، سوى متابعة المشهد العبيط، والتصفيق على تطبيعنا مع قتل التخصصات.

كنت مثل كثيرين منكم أردد بأننا نستحق نقاشات راقية، وحاليا بدأت أقتنع تدريجيا بأن الابتلاءات المتتالية التي يمنحها البعض صفة النقاشات هي التي تلائمنا ونلائمها.

للأسف، تأتي في كل مرة حادثة سير افتراضية تحتضنها طريق الشبكات غير الاجتماعية بمؤثريها الذين يلهث أغلبهم وراء اللايكات الفايسبوكية، ويربح أغلبهم المال بدون حسيب ولا رقيب، لتذكرنا بأن هناك من يريد على الدوام أن يوهم الناس بأن قيمنا هشة إلى الحد الذي يجعلها قابلة لأن تتأثر بمضامين مسلسل بسيط، أو بشريط سينمائي، أو حتى بإعلان تجاري. في بلدي، حرية الإبداع مكفولة للجميع، لكن في بلدي يجب أن يفهم الناس بأنه لا مكان للوصاية، ولا مجال لإخراج بطاقتي هدم الأخلاق و المساس بالقيم الأسرية، لمهاجمة عمل إبداعي تخييلي.

أعتذر،أعتذر لأني أجد نفسي مجبرا مرة أخرى، ودائما من موقع اشتغالي وليس تطاولي على مهن الآخرين كما يفعل معظم من ينصبون أنفسهم حماة للقيم، على التذكير بأن مهمة المشتغل على العمل الدرامي التلفزي أو السينمائي، ليست تقديم مسلسل أو فيلم يعكس آراء وتصورات من ينصبون أنفسهم للدفاع عن الأخلاق.

العمل الإبداعي التخييلي يعكس رؤية مبدعه التي قد نغرم بها وإن اختلفنا مع كيفية تناولها، والعمل الإبداعي التخييلي لا يصنع فقط من أجل الدفاع أو مهاجمة التافه والناجح والفاشل والملحد والمتدين والخبيث والطيب واللطيف.

أهل الاختصاص هم من لهم الحق في منح الحياة لمَشَاهِد من قصص وحكايات وأفكار، مع مراعاة الفرق في التناول بين التلفزيون والسينما. بعد العرض، يمكن لأي مشاهد أن يقول بكامل الحرية بأنه أعجب أو لم يعجب بالعمل، لتأتي مرحلة أخيرة يقوم فيها نقاد مختصون، بتحليل نقاط قوته أو وهنه اعتمادا على أدواتهم. المسلسل الذي أراد البعض أن يثير حوله الضوضاء، لدي عليه ملاحظات كثيرة، بما في ذلك السيناريو الذي تيقنت بأني شكوكي بخصوصه في محلها، لكني لن أقبل بأي حال من الأحوال أن تتم مهاجمته فقط لأنه يتطرق للشيخة. الأمر لا يمكن أن نقحمه في خانة حرية التعبير، بل بإدراج تعسفي لنقاش أخلاقوي في عمل تخييلي.

أعتذر،أعتذر لأني أشرح واضحات كنت أعتبر بأننا تجاوزنا مرحلة التذكير بها، وأعتذر لأني الآن أشرح لكثير من أبناء بلدي الفرق بين إبداء الرأي بكامل الحرية ومحاولة إقبار عمل فني يريد أشخاص معينون أن يوهموا الناس بأنه سيفسد أخلاقهم. هي قمة العبث أن يعتبر هؤلاء الأشخاص بأن المشاهدين لا يميزون بين العمل التخييلي والعمل الوثائقي، وهي قمة العبث أن يخرج في كل مرة شخص أو أشخاص ليحذروا المشاهدين من مضامين مسلسل أو فيلم سينمائي. اختلطت الاختصاصات، وصارت الشبكات غير الاجتماعية تسوق في زمن التهافت لفكرة مفادها بأن الشيخة في عمل تخييلي، هي السبب الذي سيجعل أخلاقنا عرضة للتلف.

تابعت بحسرة مؤثرين أنستغراميين وفايسبوكيين أمس، وهم يدافعون بدون خجل وبوقاحة قل نظيرها عن الفرق بين الحلال والحرام في مسلسل تلفزي، وأصبت بنوبة ضحك تشبه البكاء. هؤلاء ممن ألفوا وضع كاميرات هواتفهم الذكية أمام وجوهم، ويشرعون في إطلاق فتات الأفكار غير الذكية والشعبوية. تلاعب بعواطف الناس وافتعال لغيرة مفبركة على القيم الأسرية، ولجوء لنفس النقاشات التافهة. تابعت المشهد، وبصدق انتابني إحساس بالندم على تخصصي في تحليل الصورة، وتحديدا الصورة في العمل الإبداعي التخييلي. هل يستوعب هؤلاء معنى العمل الإبداعي التخييلي؟ أبدا. هؤلاء، أناس يستجدون العواطف، وينطلقون بدون خجل للحديث عن ما يجب أن يحلل ويحرم في عمل تخييلي ترفيهي. أعتذر،أعتذر لنفسي ولكم، وأعتذر للشيخات اللائي زج بهن في نقاش سطحي يهيننا جميعا. المغرب أيها السادة يختلف عن بلدان أخرى يستأسد فيها التخلف، والمغرب أيضا السادة بلد يضمن لكل واحد حقه في إبداء رأيه، لكن في المغرب طلقنا من زمان تلك الأفكار البالية التي ترى في الموسيقى وفي المسلسل التلفزي وفي الفيلم السينمائي هدما للأخلاق. بصدق نحن أكبر بكثير من هذا الجدل العقيم، وبصدق لدي قناعة بأن الشيخة أكثر حرصا على جزء كبير من تراثنا وعاداتنا الذي لا يمكن أن يقتله لا شيخ ولا صبي، وبصدق يجب أن نعثر على حل لهذا الكم من المؤثرين الافتراضيين الذين وجدوا طريقة سهلة لاستجداء اللايكات الفيسبوكية، في مقابل إطلاق وتمرير خطابات لا تشبهنا. كل هذا الجدل خلق بسبب مسلسل، أي بسبب عمل إبداعي تخييلي لا أقل ولا أكثر.أعتذر،أعتذر مرة أخيرة، وأذكر بمقولة كررها على مسامعي كثير من أساتذة في المجال:Le mal est une fiction qui fait mal, on n’y peut rien.هنيئا لمن استوعب المعنى، أما من استعصى عليه الفهم، سأجيبه بعبارة واحدة وأغادر: Je n’y peux rien.مرة أخرى، رمضانكم مبارك سعيد، والسلام.

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠٢٢ - ١١:٠٠

المعرض الدولي للكتاب مليء باللصوص والمتحرشين

الجمعة ١٠ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٥:٠٩

رأي في إعدام إبراهيم سعدون

الخميس ٢٥ أغسطس ٢٠٢٢ - ٠١:٣١

عند رخصو .. تخلي نصو

الإثنين ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢ - ١١:١٤

درس زياش وثقافة الإحترام