إفادة
إفادة
الإثنين 23 أبريل 2018 - 11:10

قصّة قصيرة: نِهَايَة (2)

نِهَايَة (2)  – محمّد البوعيّادي 

مَا إن نزل من السيّارة قُرب طاحُونة الزّيتون القديمة، حتى فغمت أنفه رائحة “الفيتور” (بقايَا الزّيتون المعصور)، وباغتته الذّكريات سريعة مُتسربلة، مطحنة الحبوب وحمار  يبيت في العراء يشتكي من البرد  بنهيق مبحُوح، المدرسة القديمة ذات السقف القصديري، والتي لم تعد قديمة. كان  يتلمّس طريقه عبر ضوء عمودين كهربائيين أعزلين..لقد حصلت ساكنة القرية على الكهرباء، ولابدّ أنّ الماء أيضاً أصبح متوفّراً في المنازل، ولم يعُد من داعٍ للسّقي في القُلل الجلديّة الكبيرة على ظهور الدواب، ولا لانتظار  الدور في سقّاية العموم من الصباح إلى المساء.
 
صعد الطريق من قرب المسجد الكبير، ثم سَرى بين دروب المدشر، كان يشعُر بأنّ خطواته صارت أخفّ بكثير، وكأنّ شبَابه عاد إليه. لم يَفتح هاتفه،  فطبيعي أن يجد عدداً غير مُتناهٍ من المكالمات والرّسائل الصوتيّة.
 
مرّ سريعاً  عبرَ الطريق الشرقيّ للقرية مُتسلّقاً عقبة المقبرة، وهناك تبدّى مقام الوليّ الطاهر  سيدي  “أحمد  بن حليمة” بقبّته الدائرية وحيطان ضريحه البيضاء أبداً، تسلّل من قرب الزيتونة البرية التي يُحكَى أنها كانت تُنبت ذهباً في أزمان غابرة، لكنّه قبل الدخول إلى الضريح توقّف قليلاً ليطلّ على البيت القديم.
 
كان المشهد كأنّه تكرار  لمشاهد حصلت قبل خمسين عاماً وأكثر، لا شيء تغيّر  في المنزل، باحة البيت تبدو من أعلى تلّة الضريح، شجيرات  صغيرة تنمو وسط تلك الباحة، وأعلى سقف البيت الكبير  تمتدّ عروش كرمة عملاقة لا أحد يتذكّر  تاريخ وُجودِها هُناك، في فصول الصيف البعيدة كان ينام تحتها فوق السّقف، تُظلّله من الحر  ويأكل  رفقة إخوته الخمسة من تينها. دلف إلى الضريح  فوجده مَفتُوحاً مُضاءً بالشموع وفي جوانب القبر سلاسل من حديد وبعض المسبحات ودراهم منثُورات هنا وهناك وبعض السكر والتين المُجفف. شعَر بالجوع فتناول التين المجفف وشرب من قربة ماء خزفية، ففغمت رائحة الطين و “القطران” أنفه، تلاَ  بعض القرآن  ثم نزل حدواً  نحو  الزاوية التيجانية.
 
كانت  أضواء  القبّة الصغيرة تبدُو من أعلى التَلّ قرب الزيتونة السحريّة.
 
وصَل مع وقت الفجر، وبرغم الأمطار اجتمَع نفرٌ من الرّجال للصلاة. لم يتعرّف عليه أحد ولم يتذكّر أحداً، خاصّة وأنّ الظلام كان يغشى محراب الزاوية الصغير وما تلاه، صلّى الفجر ودموع مفاجئة تغمر خدّيه، كان في صوت الإمام هُدوء وسكينة تُشبه سَكينة الجبل، صوت رخيم  ردّه ستين سنة إلى الوراء، بالضّبط إلى رخامة صوت الفقيه الذي درّسه في الكُتّاب..بعد انتهاء الصلاة جَلس رفقة  ستّة من الرجال وردّدوا ما استطاعوا من الوظيفة التيجانية فانشرحت القلوب وعمّ الجلال قبّة المقام، وحين وصل إلى صلاة الفاتح  لما  أُغلق .. “اللهم صلّ على سيدنا محمد الفاتح لما  أُغلق والخاتم  لما سبق، ناصر الحق بالحق…”، امتلكته رعشة  لم يدرِ إن كان سببها البرد أم الصلاة أم الماضي البعيد، ولعلّه  تذكّر وجه الشيخ “سيدي الهاشمي”، الفقيه الذي كان يُعلّم الصبيان ويُعلّم أهل القرية أخلاق الطريقة الصوفية، والذي كثيراً ما رافقه وتعلّم منه العفّة والصّبر.
 
لم يشعر  بقدميه إلاّ وهُما  تُسَابقان وقع المطر على الأرض في اتجاه المنزل. كان رفقة بعض إخوته  يتكفّلون  بإصلاحه في زيارات عطل الصيف.
 
وقف أمَام الباب الخشبي القديم، لقد اهترأ  كاملاً، لكنّ الخُرص الحديدية لازالت صامدة، والمسامير الكبيرة سندته طوال السنين، لم يتم تغيير القفل، استخرج المفتاح العتيق الصدئ من جيبه ودلف إلى الداخل.
 
بدا  له كأنّ أمّه واقفة قرب المطبخ، وتخيّل أباه جالساً في ركن صغير قرب بيت “الخزين” يمرّر مسبحته الخشبية بين الأصابع، وقرب مربط الحمير تبدّت له صورة صبية وصبيان حليقي الرؤوس يلعبون بكرة محشوة من الصوف وبقايا أثواب..لكن بصره عاد إليه في ظلام البيت، فحاول إشعال الكهرباء لكن يبدو أنّه مفصُول.
 
مرّ إلى الغرفة الكبيرة، واستخرج  قنينة غاز من تحت مصبطة خشبية قديمة، ثم أوقد فنار الغاز القديم المعلق على الحائط، تحسّس كل أثات البيت قطعة قطعة، حتى حجر التيمّم الذي كان الحاج أحمد  يتوضّأ به للصلاة، تجوّل في غرف المنزل، من بيت “التّخزين” إلى بيت الطبخ على النار بأعواد الزيتون (الكانون)، ثمّ توقّف عند المدود (مربط الدواب)  قليلاً.
 
وعند  بزوغ أوّل إشارة ضوء صعد إلى سطح البيت وجلس  قرب الكرمة الكبيرة، ثم مدّ بصره نحو صفوف الزيتون والأحجار، وبيوت الجيران الذين ماتوا والذين هاجروا القرية، ومن مساحات كبيرة شاهد الجنان الصغير الذي قضى فيه نصف حياته، جنان صغير من الزيتون وشجر الخروب وبعض أشجار اللّوز، فتذكّر الحافّة وجني الزيتون والخرّوب والكُبّار الشائك..وتذكر الأيام البعيدة التي جمعته بأخواته وإخوته، وتمنّى لو يجتمعون مرّة أُخرى ويعيشون جميعاً على ذكرى الأم محجوبة ووقار الحاج أحمد .. وأبعد من الجنان شاهد السدّ العملاق ومياهه الزرقاء التي تُشبه مياه البحر، وتذكّر كيف كاد يموت هناك…ثم تذكّر أوّل حبّ وآخر مرّة شاهد  فيه أباه، فاحتضن صورته التي أخذها من حائط الغرفة، وترقرقت  عيناه بالدموع  حين  بسطت الشمس سلطانها  على صفوف الزيتون وسطوح المنازل القديمة، آنها  بدت الزيتونة البرّية وكأنّها تلمع بقطع ذهب عوض حبات زيتون رقيقة …
 
حين انجلى ضباب الصبيحة، كان ممسكاً  بمسبحة أبيه، مُوليا  بصره نحو القبلة، ولم يكن لقطرات الماء التي تتساقط من أوراق الكرمة المُباركة أو تُوقظه.
 

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من ثقافة وفنون

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق