قصّة قصيرة: جوليا ومرايا السّجن الأبيض (3)
جوليا ومرايا السّجن الأبيض (3) – عبد الرّحيم دَودِي
أوّل الصّورة…آخر اللّيلِ/ الرّمادِ.
فلتَخسأ أيّها اللّيل/ الربُّ…
وقفَ حُيالَ نافذتِهِ. بقلبٍ مُدمى. يتملّى نجمةً مرقتْ، خطفاً، في منحدرٍ علويٍّ أسودَ مريبٍ…انثالت عليه أفكارٌ شرسةٌ عن الربّ والشّيطان. عن الوجودِ والفناء. في مداراتِ هذه المعادلة المُربكة، استلّ قلمهُ، وانغمس في عمقِ المذبحةِ، علّه بفعلِ الكتابةِ يُداري شراسةَ التّهاويم التي لا تني تتهاوى بكلّ سخطٍ وثقلٍ.
كتبَ:
“جُوليا،
هذا الجسدُ المشبوحُ بالدّم والموتِ
لَكِ،
هذا الرّجعُ المُعتصر من أناجيلِ الجسدِ
لَكِ،
هذا الظّل، المَشطورُ، المعمّد بالرّمادِ
لكِ،
فابتلعيه يا عاهرتي المقدّسة
بصمتٍ وَثنيّ، ثم موتي…”
كانت الكتابة، هاهُنا، قرينَ احتضارٍ ثقيلٍ، عنيفٍ، موجعٍ. ذبحاً بسكينٍ ذاتِ نصلٍ صدِئ فَقَدَ، مع الوقتِ، حدّته؛ فلم يعد يحزّ بأناقةٍ قاتلةٍ. هي ذي أمواجٌ كامدةٌ طاعنةُ القتامة تنهالُ عليه تِبَاعاً: سوادٌ، ظلامٌ، روائحُ جيفٍ غبّ التفسّخ. لم يجد بدًّا سوى أنْ يكتب. كتب:
“كلّ الصّورِ المُقترفةِ ليلاً ليلٌ،
وأنتِ
يا ابنة اللّيل اللّقيطِ
اسمعي نوّاحَ الهزيمةِ
واشربيهِ: كَرعاً، عبًّا، دلقاً
لا يهمّ…فنحنُ أبناءُ الليّل لا نشربُ خلا دَمنا الأسود.
كلّ التخاييل المرتجفة فوق جسدكِ- هذا المتحفّز، المحترقُ، المنتزع من ضلوعِ الربّ اللّعين-
إثمٌ قمينٌ بالارتكاب، جريمةٌ ضروريّة.”
رمى القلم جانباً، بصق على الأوراق، وعاد إلى النّافذة. كان الليّل، كلّ اللّيلِ يعرّش في الأفضية والأحياز، يشهرُ ظلامه الدّاجي. لم يكن رحيم يخالُ أنّ صورتها ستعيث في دواخله هكذا، كلّ شيء بدأ بصورة: هي الليّل وانتهى بصورةِ: هي اللّيل. غَالَبَ إعياءهُ الممض، وآب إلى كرسيه الخشبيّ. جلس بتهالكٍ، ثم طفق يقلب الصّور. هي ذي صورتها: قوامٌ فارعٌ، عيونٌ هي نارُ المجوس؛ الآن فهم سبب عبادة المجوس للنّار. شعرٌ مبلّلٌ ينسدلُ بفتنة على كتفيها، وابتسامة لا تكادُ تَبِينُ، هديّة لغريبٍ ما. علّه هو هذا الغريب…!
مأخوذاً بأحاسيسَ أولانيّة، متصلة، هلاميّة، أخرج ولّاعته وأوقد النّار في الصّورة. أخذ يضحكُ بهذيانٍ مفرطٍ: هي ذي جوليا تحترقُ، تمّحي، يرشحُ رمادها في القيعانِ العميقةِ للخواءِ. كتب:
“أيّها الليّلُ/ الربُّ/ السّواد الخاوي:
لا جسدَ في جسدي؛
وهذا الهواءُ الحامي
فيوضُ نارٍ…فاقبض روحكَ
وارحل إلى ظلّكَ العالي…”
التعاليق