إفادة
إفادة
السبت 14 أبريل 2018 - 10:00

قصّة قصيرة: تِليلّا: مِحنَةُ الجُرحِ الأسود (2)

تِليلّا: مِحنَةُ الجُرحِ الأسود (2)

(قصّة قصيرة) – عبد الرّحيم دَوْدِي

 بعدَ عودته، جلَس في مكانه، أخرَج مُصحفاً صغيراً كان ثاويًّا في جيب جبّته، ثمّ انغمس في بحرِ الحكاية:

   “سلامٌ على الذي أتمّ الرسالاتِ جَمِيعَها، سلامٌ على من بعث رحمةً للعالمين، سلامٌ على هادي الآمين، الذي هدانا إلى نور الإله وحقيقة الوجود. وبعد أيّها السّادةُ الكرام، لا أخفيكم سراً أني سررت بمجالستكم في هذا المجلس العظيمِ، لأبثكم وَجَعَ الحياةِ وبعضاً من لعنةِ الحكَايةِ، وأنبش معكم في ذاكرة أبينا الوليّ الصّلاح “سيدي يحيى الآزمي الإدريسي” سَليلُ البيت الشريف. هذا الوليّ المقدّس الذي حَمَتْ بَركَاتُهُ أجدادنا، وتحمينا، نحنُ أيضاً، في زمنٍ خوّانٍ صَعْبِ المرَاسِ. سأحكي لكم الرؤيا التي وهبني على إثرها “سيدي يحيى الإدريسي الأزمي” بَرَكَتَهُ.
ليلتها نمت باكرا، فَبَعْدَ سَفَرِي الطّويل، هُدَّ جسدي وانهَارَ بُنياِني، فَارتَمَيتُ على مَضْجَعِي خَائِرَ القوى، وقبل أنْ أغمضَ عيني حَضَرنِي مَشْهدُ السيدة الشّقراءِ التي صَادَفْتُهَا، قُرْبَ مَنْزِلها، في قريّة ” تَعْمَرِينَ”-وهي قرية صغيرةٌ تنامُ على صدرٍ جبلٍ ينتصبُ عاليًّا في إيفري-، كانت سيدةً ضالعةً في الجمال، يَشِفُّ فستانُها النبيذي عن جسدٍ بضٍّ منحوتٍ من المرمرِ الأبيض، في عينيها تثوي السّماء بكلّ زُرْقَتِهَا، وعلى خديّها تندلع الفراشاتُ الزهريّة. آهٍ مِنْ جَمَالٍ يَذْبح بهدوءٍ.! سَألتها، بخبثٍ خفيٍّ، أن تسقي المُسافر الظمآن، فسقتني ماءً ليس كالماءِ، وأطعمتني من ثمار شجرة رمّانها، وبعدها كان ما كان. وفي لحظةِ الانطفاءِ، طفقتِ المسكينة تحدثُني عن التّاريخ المؤلمِ للرّيفِ اليتيمِ، عن زَوجِهَا الذي ذهبَ ليقاوم المستعمِر ولم يعدْ، بعد شهرٍ من غيابهِ طالعها خبر استشهادهُ. كنت أجدُ صعوبةً في فهم لغتها ذاتِ اللثغة الأمازيغيّة. كانتْ بَعضُ كلماتِها مُبهمة رُغم معرفتي للغة أهل الريفِ الأشاوس وثقافاتهم. وحين هَمَمْتُ بسؤالها عن الدّاءِ الذي بدأ يسرى في فخذها اليسُرى، رفعتْ الملاءة واستدارت نحوي، كاشفة عن فخذها البديعةِ التي أفسد “بوزلّوم” قداستها، هالني الأمر، أشفقتُ على المسكينة، التي تسلّلت إلى قلبي في غفلةٍ مني. دعوت لها بالشّفاءِ العاجلِ، وقبلَ أنْ أستأنف طريقي مخترقاً جبال “تزي إيفري”، و”مرنيسة”، منحدراً إلى نهر “ورغة”، قبّلتها من شفتيها الريانتين، ثم سألتُها عن اسمها ونسبها فأخبرتني بأن اسمها ” تِيلِيلا  أَربْيِش”.”
   توقّف الجدُّ عن الحكيّ، متأملاً القَمَرَ المُنزلق بِغِوايةٍ خَلْفَ جَبَلِ “دَلُّوهْرَا”، تسامق بكلّ شموخٍ ليغالب دمعتين هاربتين طفرتا من عينيه الكُحليتين، ثم تأوّه وعاد لينغمس في حكاياته المارقةِ:
   “حين تخطّفني النّوم، رَأَيْتُنِي ليلتَها عارياً كما َأْنجَبَتْنِي أمّي، تائهاً بين جبال “تِدْغِينْ” و”شَقْرَانْ”، كان الثّلجُ يندف بِشَرَاسَةٍ مَشْفُوعاً ببردٍ مُدْمٍ. في غمرةِ هَذَا الجُنُونِ اللاذِعِ، طفقتُ أخسفُ َأغصان البلّوطِ وأَتَدَثَّرُ بها، كنتُ وَحِيداً في أبديّة بيضاء مَفْتُوحَةٍ على غاباتٍ مُتَدَاغِلةٍ، أُقَاومُ الموتَ بإرادةٍ زائفةٍ. بَدَتْ لي الرّياحُ بِزَمْجَرَاِتهَا الصّاخبة وَحْشاً أسطوريًّا لا يبزُّ ولا يُهْزَم. ارتعدت فَرَائِصِي، دَكّت أركاني رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ. صَرَخْتُ بِكُلِّ مَا تَختزنهُ حِبَالِي الصوتيّة من قوة ورغبةِ حياةٍ، كنت كذئبٍ عجوزٍ بُقِرَتْ بطنه بعد مَعركة حَاميّة. فجأةً اِشْتَعَلَت نارٌ زرقاء في الفارغِ الفاصل بيني وبين جرفٍ سحيقٍ لا قرارة له. اقتربت من النّار فإذا هي “سيدي يحيى الآزمِي الإدريسي” سيد البياض المطلقِ، اقتربَ مني ووضع يده على رأسي فإذا بجلباب أبيض يلفُّ تضاريس جسدي المرتجفِ. نظر إليّ بإشفاق ونبس بحروف من نورٍ: أَحْسِن قِراءةَ الألوانِ في وجوه النّاس يا ابني فإنّ الربّ أودعَ في الوجوه أسراره، من لا يحسن قراءة ألوانِ الوجوهِ لن يدركَ حقيقتَهُ. مهما طال عمر الإنسان يا ابني فإنه عمرٌ قصيرٌ، فَدَاوِمْ على السّفر، فالمسافرُ يحيا حيواتٍ جديدة لا يحياها السّاكن في مكانه، السكنُ فراغٌ وعدمٌ. أما السفرُ فاختراقٌ وتسرّبٌ خفيٌّ إلى الحقيقة في أرقِّ شقوقها وأدقِّ نتوءاتها. أَحِبَّ النّاس جميعاً واسْعَ إلى الخير ما استطعت، وإنّي أهبُك بركة شفاءِ داءِ “بُزلّوم”. فما عليك إلا أن تقطع غصنا من أغصانِ شجرة من الأشجارِ المحيطة بسكنايَ قبل طلوعِ الفجر، وإليكَ ترتيلةِ القطعِ التي يجب أن تردّدها حينها: “اِشهدْ يا غصن الحياةِ أنّي أقطع الداء الذي ألمَّ بفلانٍ أو فلانة.” وحينها اقطع بخنجركَ الغصن واحذفهُ من أصله في المرّة الأولى. سترى، يا ابني، أنه بعد مرور وقتٍ قصير سيشفى المريض وكأنه لم يمرض قطُّ.”
   تطلّع الحضور في دهشةٍ إلى “سّي عبد السّلام”، لقد أخذت هذه الرّؤيا بجمّاع عُقُولهم، وسافرت بهم إلى عوالم الحبّ، فهذا “سيدي يحيى”، سيد الجبالُ الثالث، يغدق كرماته على أبنائه البررةِ، ويسبغ عليهم جليل نعمه وأصيل محبّته. في هذه الهنيهة المتشنّجةِ، كانت عيونُ المتحلّقينَ تُومِئ بِرَغْبَتِهم لمَعْرِفَةِ مَصِيرِ “تِليلا أَرْبِيش”، لكن لا أحد منهم استطاعَ أن يطلبَ ذلكَ من “السّي عبد السّلام” لقد فطنوا جميعا أنّهم قد فتحوا جرحاً أسود عصيّا على الاندمالِ في قلبه. نظرَ الجدُّ، الذي فقه أسرار الحكاية إلى الجَمعِ الغفيرِ نظرة اختراقٍ وقال:
   “بعد هذه الرُّؤيا، استيقظت في فجرِ الليلة المواليّة، واتجهت، رأسا،ً صوب ضريحِ “سيدي يحيى”، قصدتُ شجرةَ رمّانٍ تقع على في الحدّ الفاصل بين الضّريح ومرج الزّعتر البريّ، ونفدت ما أمرني به سيد الجبالِ الثالث، أخرجت خنجريَ المسننّ من كمّ جلبابي وقطعت غصن الرّمان مردداً ترتيلة الحبّ السماوي: اشهد يا غصن الحياة أني أقطعُ الدّاء من سيدة النّار الزرقاء، يمامةُ الريف الحرّة، “تِليلا أَربيش”.”
   لملم “سي عبد السّلام” سبحته ومصحفه دلالةَ انتهاء الحكاية، فقد انشرخَ الليل وعرّش الظلامُ، وموعد الالتحاق بالزّوجاتِ العزيزات حلّ. كان الجمع يتحلّب لهفةً لمعرفة بقيّة الحكاية، لكن الجدّ انصرفَ بأناقة ذكر الحمام البريّ، مودعاً أصدقاءه. متوغلاً في شعاب حكاياته.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من ثقافة وفنون

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق