قرار قضائي يوسع مسؤولية المهندس المعماري القانونية في مراقبة أوراش البناء
أكدت الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين أن مهمة المهندس المعماري لا تنتهي عند إعداد التصاميم، بل تمتد إلى تتبع أشغال البناء، ومراقبة مدى مطابقتها للوثائق المرخصة، والتنبيه إلى الاختلالات التقنية والإدارية التي قد تمس سلامة المنشأة أو حقوق مقتني العقارات.
وأوضحت الفيدرالية، في تحليل نشرته ضمن نشرتها الأخيرة، أن قرارا حديثا لمحكمة النقض أعاد التأكيد على المسؤولية التي يتحملها المهندس المعماري خلال مختلف مراحل إنجاز المشروع، مشددة على أن حضوره الفعلي داخل الورش ليس مهمة ثانوية أو اختيارية، بل يشكل امتدادا طبيعيا لدوره في تصميم المبنى.
وسجلت الهيئة المهنية أن عملية البناء تشترك فيها أطراف متعددة، من بينها المنعش العقاري، والمهندس المعماري، ومكتب الدراسات التقنية، والمهندس المساح الطبوغرافي، والمختبر الجيوتقني، ومكتب المراقبة، وشركات تنفيذ الأشغال، على أن يتحمل كل متدخل مسؤوليته التقنية والمدنية والإدارية، وأحيانا الجنائية، في حدود الاختصاصات المسندة إليه.
وأكدت أن تعدد المتدخلين لا يعني تداخل مسؤولياتهم أو ذوبانها، موضحة أن إخلال المقاولة المكلفة بتنفيذ الأشغال بالتزاماتها لا يعفي باقي المهنيين من المسؤولية المرتبطة بالتصميم أو المراقبة أو تتبع الورش.
وفي المقابل، أشارت الفيدرالية إلى أن صاحب المشروع لا يفترض أن يتحمل مسؤولية الاختيارات التقنية عندما لا يتدخل في التنفيذ، ويكون قد تعاقد بصورة قانونية مع مختلف المهنيين الذين تفرضهم النصوص التنظيمية.
المهندس المعماري ليس مجرد مصمم
أبرزت الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين أن دور المهندس المعماري يتجاوز رسم التصاميم والتصور الجمالي للمبنى، ليشمل تقديم الاستشارة لصاحب المشروع، ومراقبة احترام ضوابط التعمير والبناء، والتأكد من مطابقة الأشغال للتراخيص المسلمة.
وأضافت أن المشرع أسند إلى المهندس المعماري اختصاصات ترتبط بالنظام العام العمراني، بالنظر إلى تأثير كل بناية على المشهد الحضري، وظروف عيش السكان، وجودة الرصيد العقاري والعمراني.
وشددت على أن تطور الأدوات الرقمية، واستعمال نمذجة معلومات البناء والذكاء الاصطناعي، لا يمكن أن يعوض الحضور المهني داخل الورش، موضحة أن البرامج المعلوماتية قد تساعد على إنجاز الدراسات والتصاميم، لكنها لا تستطيع معاينة المخالفات أو تحرير محاضر الزيارة أو تحمل المسؤولية أمام القضاء.
مراقبة مطابقة الأشغال
وفق تحليل الفيدرالية، يتعين على زيارات المهندس المعماري للورش أن تمكن من التحقق من مطابقة الأشغال للتصاميم المرخصة، واحترام التراخيص الإدارية، ورصد التغييرات التي يمكن أن تشكل مخالفة لقواعد التعمير والبناء.
كما تشمل مسؤوليته الوقاية من العيوب التقنية، ومراقبة احترام معايير السلامة، وتتبع جودة مواد البناء، وحماية مصالح صاحب المشروع والمقتنين المستقبليين.
وأوضحت أن أهمية هذه المراقبة تكمن في اكتشاف الاختلالات قبل أن تصبح غير قابلة للإصلاح، إذ يمكن تصحيح عيب أو مخالفة أثناء إنجاز الأشغال، في حين قد يؤدي اكتشافها بعد تسليم العقار إلى التأثير في سلامة السكان وراحتهم، وخفض قيمة العقار، وفتح نزاعات قضائية قد تستمر سنوات.
واعتبرت أن قرار محكمة النقض لا يحدث التزاما جديدا، بل يعيد التأكيد على مسؤولية قائمة في صميم مهنة الهندسة المعمارية، تقوم على المراقبة والتحقق والاستباق والمطالبة بتصحيح الأشغال المخالفة عند الضرورة.
حماية مقتني العقارات
أكدت الفيدرالية أن مسؤولية المهندس المعماري لا تهم فقط علاقته التعاقدية بالمنعش العقاري أو صاحب المشروع، بل تمتد آثارها إلى مقتني الوحدات السكنية والعقارية.
وأوضحت أن اقتناء السكن يمثل بالنسبة إلى عدد من الأسر أهم استثمار مالي في حياتها، في وقت لا يملك فيه المشتري غالبا الوسائل التقنية اللازمة للتأكد من جودة البناء أو سلامة المواد ومدى احترام التصاميم المرخصة.
وبحكم إشرافه العام على المشروع، يعد المهندس المعماري، حسب المصدر ذاته، من بين المهنيين الأساسيين المكلفين بحماية المستهلك العقاري، من خلال منع انتقال الاختلالات التقنية أو المخالفات الإدارية إلى المقتنين بعد تسليم العقارات.
وربطت الفيدرالية هذا التوجه بمقتضيات القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، الذي عزز مسؤولية المتدخلين في عملية البناء، بهدف الحد من المخالفات التي قد تهدد سلامة المواطنين وتؤثر في جودة المباني والثقة داخل القطاع العقاري.
مراقبة الاوراش تحمي المستهلكين
دعت الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين إلى جعل الحضور المنتظم للمهندس المعماري داخل الورش، وتوثيق الملاحظات، والمشاركة في الاجتماعات التقنية، وتشديد مراقبة الأشغال، ممارسات أساسية داخل القطاع.
واعتبرت أن الرفع من جودة مراقبة التنفيذ لا يحمي المقتنين والسكان فقط، بل يفيد أيضا المنعشين العقاريين والجماعات الترابية والإدارات والمهنيين، من خلال تقليص المخاطر التقنية والنزاعات القضائية وضمان احترام قواعد البناء.
وخلصت إلى أن تسارع مشاريع السكن والبنيات التحتية والتوسع العمراني بالمغرب يفرض تعزيز المسؤولية المهنية داخل الأوراش، معتبرة أن المهندس المعماري لم يعد مجرد مصمم، بل أصبح حارسا للمطابقة وضامنا لجودة البناء وأحد أعمدة الثقة في القطاع العقاري.
التعاليق