إفادة
إفادة
الإثنين 13 يوليو - 08:45

قانون لتحصيل الـTVA من شركات رقمية عالمية.. هل ينجح المغرب في فرض سيادته الضريبية ؟

بدأ المغرب فعليا إخضاع الخدمات الرقمية التي تقدمها شركات أجنبية للمستهلكين داخل المملكة للضريبة على القيمة المضافة، بعدما أطلقت المديرية العامة للضرائب، منذ 11 يونيو 2026، خدمة إلكترونية خاصة تسمح للموردين غير المقيمين بالتسجيل والتصريح برقم معاملاتهم المحقق في السوق المغربية وأداء الـTVA المستحقة.
ويشمل النظام الشركات الأجنبية التي لا تتوفر على مؤسسة داخل المغرب وتبيع عن بعد خدمات رقمية إلى زبناء غير خاضعين للضريبة على القيمة المضافة، وفي مقدمتهم الأفراد، ما يضع الاشتراكات في المنصات الرقمية والبرمجيات والمحتويات الإلكترونية وخدمات الاستضافة والصيانة عن بعد ضمن دائرة النظام الجبائي الجديد متى توفرت شروط الخضوع.
وبدخول خدمة «Taxation on digital services» حيز التشغيل عبر منظومة «SIMPL»، انتقلت المقتضيات التي أقرها قانون المالية لسنة 2024 من النص إلى التطبيق، في محاولة لإخضاع جزء من رقم المعاملات الذي تحققه الشركات الرقمية العالمية داخل المغرب للضريبة، حتى في غياب مكتب أو فرع أو مستخدمين لها داخل المملكة.

أربع التزامات على الشركات الأجنبية

يفرض النظام على مقدم الخدمة الأجنبي المعني التسجيل لدى المديرية العامة للضرائب والحصول على معرف جبائي، ثم التصريح برقم المعاملات المحقق في المغرب قبل انتهاء الشهر الأول من كل ربع سنة بالنسبة إلى الفصل السابق.
كما يتعين على الشركة أداء الضريبة على القيمة المضافة الموافقة لرقم المعاملات المصرح به، دون حق في الخصم في إطار هذا النظام.
وإلى جانب التصريح والأداء، تصبح الشركة مطالبة بمسك سجل مفصل للخدمات التي قدمتها إلى الزبناء المعنيين في المغرب، والاحتفاظ به لمدة عشر سنوات، مع وضعه إلكترونيا رهن إشارة الإدارة الجبائية عند الطلب.
وبذلك، يمكن لشركة لا تملك أي عنوان في الدار البيضاء أو الرباط أن تصبح ملزمة بالتوفر على معرف جبائي ومسك سجل خاص بمعاملاتها مع السوق المغربية.

ما الخدمات المعنية؟

يشمل النظام الخدمات المقدمة عن بعد وبطريقة رقمية، من قبيل توفير واستضافة المواقع الإلكترونية، والصيانة عن بعد للبرامج والتجهيزات، وتوفير البرمجيات والخدمات الإلكترونية والمحتويات الرقمية.
كما تدخل ضمن هذا المجال الأفلام والموسيقى والاشتراكات في المنصات الرقمية والخدمات المدفوعة عبر الإنترنت.
وتبرز في هذا السياق منصات البث والموسيقى وشركات البرمجيات العالمية باعتبارها أمثلة على النموذج الاقتصادي الذي يستهدفه النظام: شركة توجد في الخارج، لكنها تبيع خدمة مباشرة إلى مستهلك يوجد في المغرب.
ولا يعني ذلك استهداف شركة بعينها، إذ يظل الخضوع مرتبطا بطبيعة الخدمة والزبون وشروط تطبيق المقتضيات الجبائية.

لماذا استهدف النظام خدمات الأفراد؟

كانت الخدمات التي تشتريها المقاولات المغربية الخاضعة للـTVA من موردين أجانب مؤطرة أصلا بآلية التصفية الذاتية للضريبة، أو autoliquidation.
لكن الإشكال كان يطرح عندما يكون الزبون مستهلكا عاديا.
فالمغربي الذي يؤدي اشتراكا شهريا مقابل منصة أفلام أو برنامج إلكتروني لا يقدم تصريحا بالضريبة على القيمة المضافة، ولا يمكن مطالبته بتطبيق آلية التصفية الذاتية في كل عملية شراء رقمية من الخارج.
لذلك نقل المشرع الالتزام الجبائي إلى مقدم الخدمة الأجنبي نفسه، الذي أصبح مطالبا بالتسجيل والتصريح والأداء.

كيف تعرف الشركة أن الزبون يوجد في المغرب؟

يعتمد النظام على مؤشرات تسمح بتحديد مكان استهلاك الخدمة.
ومن بين هذه المؤشرات العنوان الذي يقدمه الزبون لأغراض الفوترة، واستعمال بطاقة بنكية صادرة عن مؤسسة ائتمان مغربية، فضلا عن عنوان بروتوكول الإنترنت «IP» الذي قد يكشف اتصال المستخدم بالخدمة من داخل المملكة.
وتسمح هذه العناصر بتحديد العمليات المرتبطة بالسوق المغربية وإدراجها ضمن رقم المعاملات الواجب التصريح به.
فالخدمة الرقمية، بخلاف البضاعة، لا تمر عبر ميناء أو مطار أو نقطة جمركية، لكنها تترك بيانات يمكن أن تساعد في تحديد مكان المستهلك.

هل سترتفع أسعار الاشتراكات؟

أمام الإدارة الجبائية المغربية، يقع الالتزام بأداء الضريبة على مقدم الخدمة الأجنبي.
غير أن الشركة يمكن أن تختار تحمل الكلفة داخل هامش أرباحها والحفاظ على السعر نفسه، كما يمكنها إعادة احتساب أسعارها وتمرير جزء أو كامل العبء الجبائي إلى المستهلك.
ولا يفرض النظام على الشركات رفع أسعار خدماتها، إذ يبقى تحديد السعر النهائي قرارا تجاريا.
لذلك، لن يظهر الأثر الحقيقي للإجراء على جيوب المستهلكين المغاربة إلا بعد اتضاح طريقة تعامل المنصات والشركات المعنية مع الالتزام الجبائي الجديد.

التحدي الأكبر.. كيف يراقب المغرب شركة خارج حدوده؟

يبقى تسجيل الشركات طوعا الجزء الأسهل من النظام، بينما يطرح عدم امتثال بعض الموردين الأجانب التحدي الأكبر أمام المديرية العامة للضرائب.
فالشركة الرقمية التي لا تتوفر على مكتب أو فرع أو مسؤول داخل المغرب قد تواصل بيع خدماتها للمغاربة دون التسجيل.
وفي هذه الحالة، لا يوجد مقر محلي يمكن مراقبته، وقد لا تتوفر الشركة على حسابات أو أصول داخل المملكة يمكن اتخاذ إجراءات بشأنها.
ويطرح ذلك سؤالا حول قدرة الإدارة الجبائية على تحديد الموردين الأجانب الذين يحققون رقم معاملات في المغرب دون الامتثال للنظام الجديد.

البطاقات البنكية قد تكشف الموردين غير المسجلين

يمكن أن تشكل تدفقات الأداء الإلكتروني أحد المؤشرات التي تساعد على رصد نشاط مقدمي الخدمات الرقمية الأجانب.
فإذا كانت أعداد كبيرة من البطاقات البنكية المغربية تحول بصورة متكررة أموالا إلى شركة رقمية أجنبية، فإن هذه العمليات قد توفر معلومات حول هوية المستفيد وحجم نشاطه المرتبط بالسوق المغربية.
ومن الناحية النظرية، يمكن مقارنة الموردين الذين تظهر أسماؤهم بصورة متكررة في تدفقات الأداء الخارجي بقائمة الشركات المسجلة لدى الإدارة الجبائية.
ولا يشكل التحويل المالي، بمفرده، دليلا على مخالفة جبائية، لكنه قد يوفر مؤشرا أوليا يسمح بتحديد الشركات التي تستوجب مراقبة وضعيتها.

من الوجود المادي إلى مكان الاستهلاك

يأتي النظام المغربي في سياق تحول تعرفه الأنظمة الجبائية مع توسع الاقتصاد الرقمي، بعدما أصبحت شركات قادرة على تحقيق أرقام معاملات في أسواق متعددة دون وجود مادي داخلها.
فقد أصبح بإمكان شركة تسجيل مقرها في دولة، وإدارة بنيتها التقنية من دولة أخرى، ومعالجة أداءاتها عبر دولة ثالثة، بينما يوجد زبناؤها في عشرات البلدان.
وأمام هذا التحول، أصبح مكان استهلاك الخدمة عنصرا أساسيا في تحديد الخضوع للضريبة.
وبالنسبة إلى المغرب، يمثل تشغيل المنصة الإلكترونية منذ 11 يونيو انتقالا من إقرار هذا المبدأ في قانون المالية لسنة 2024 إلى اختبار القدرة على تطبيقه.
فالقاعدة أصبحت واضحة: غياب مكتب للشركة الأجنبية داخل المغرب لا يعني بالضرورة أن رقم المعاملات الذي تحققه من المستهلك المغربي يبقى خارج نطاق الـTVA.
غير أن نجاح النظام سيبقى مرتبطا بقدرة المديرية العامة للضرائب على رصد الشركات غير المسجلة، وتحليل تدفقات الأداء، ثم فرض الامتثال على موردين لا يوجد حضورهم في المغرب إلا عبر خدمات رقمية وآلاف العمليات البنكية.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من العالم الرقمي

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق