الأربعاء ٠٧ دجنبر ٢٠٢٢

في ذكرى مصطفى المسناوي

الخميس 24 نوفمبر 12:11

توفيق مصباح

لا تذكروني بيوم موته، أنا أتذكر يوم موته في كل لحظة. لا أحتاج إلى أن يذكرني أحد بأني فقدت أستاذاً وأخاً وصديقاً وأباً. رحل من دون وداع، آخر حديث دار بيننا كان عبر الهاتف من مدينة العيون.
لا أحتاج إلى أحد أن يذكرني بمن يعيش في القلب ويستوطن في الذاكرة.
لا أعبر إلى مكان لم تبق فيه إلا صورة معلقة على الجدار يملأني حزناً ويغرقني دموعاً. لا أطرق بيتاً لا ينتظرني فيه مصطفى المسناوي بوجهه الضاحك والمنطلق.
ليلى.. أنس.. وليد أعتذر منكم كثيراً كأني أمشي على شفرات السكاكين إلى ذلك البيت الذي سوف يذكرني بالفقدان ولا يفتح الباب في وجهي مصطفى المسناوي كما تعوّد في كل زيارة زرته فيها، بالرغم من بعد المسافة بين “عين السبع” و”سيدي معروف”، كانت مثل رمشة عين تغزل الطريق كحرير.
مقال كتبته في 14 نونبر 2016، بعد عام من رحيل مصطفى المسناوي يفضح حزني الذي أحاول أن أخبئه عن الآخرين، وحدادي الذي ظل يرافقني، بعد ستّ سنوات من الفقدان، لكنّ حضورك وازن بالروح والذاكرة.
خنتك يا أبي لم أحزن على موتك كما حزنت على مصطفى المسناوي الوحيد الذي فتح أمامي أبواب الحياة والأمل.
_

حتى بعد موته لم يجد الراحل الأعز مصطفى المسناوي التكريم الذي يستحقه بهذه الأرض العاقر والوطن القاسي القلب. كنت أقول دائما نحن من نصنع أوطاننا.. الوطن ليس هو مسقط الرأس.. هو قطعة من الروح تسكن فيك.. سحابة حب تقيم فيها.. تسافر معك. لذا لا أستغرب من أن مصطفى المسناوي اختار أن يموت في مصر.. وطن الروح.. هناك سُيجت روحه وتَدثرت بالحب وما عاد من مصطفى إلا جسد في صندوق التف حوله “المتباكون” قبل أن يطمره التراب. وحدها ليلى كانت تقرأ تقاسيم الوجوه، كانت تتفرس في العيون، وتزن دموع المخادعين. وحدها ليلى كانت تعلم بأن هي من تملك الحق في أن تذرف الدموع على شفيف الروح.. على الرفيق.. على الزوج.. على الوالد.. على الحبيب.. على الخليل.
كل تلك الدموع التي فرت في مشهد سينمائي مازال أصحابها يدمنون الفرار ونكران الجميل. مصطفى الاسم الممنوع من النسيان لا يستحق كل هذا الجحود.. كان ينتظر ومازال ينتظر القليل من الوفاء.
حين رحل مصطفى وأودع روحه في القاهرة كانت تلك هي آخر لحظة صدق في حياته.. لم يلق على ليلى الوداع الأخير.. لم يمازح وليد ويربت على شعره.. لم يسمع صوت أنس في الهاتف..
ليلى لو كانت تعلم أن هذه هي آخر حقيبة سفر تحضرها بيديها، ما تركته يسافر بوداع بارد.. تتخيل الآن لون الحقيبة، وتتذكر أشكال القمصان، ونوع العطر، وأحجام الجوارب، وأسماء علب الدواء.. تلك كانت لحظة قاسية.. لحظة توارى عن نظرها.. كان مستعجلا.. نظرة أخيرة تحمل ألف إيحاء بأنه مسافر سفره الأخير والأبدي.. الطائرة كانت في انتظاره لتطير به في الأجواء.. لتخرجه من بطن الوطن وتضعه بأمان على أرض القاهرة ليسلمها أغلى ما لديه “أمانة الروح”..

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الإثنين ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٢ - ١١:٣٣

العشق الرباني… واتحاد كتاب المغرب

الخميس ٣١ مارس ٢٠٢٢ - ٠٣:٤٢

الرياضة… قطاع في غرفة الانتظار !

الإثنين ١٨ يوليو ٢٠٢٢ - ٠٩:٣٣

أزمة هاشتاغ !

الأحد ٠٣ أبريل ٢٠٢٢ - ١٢:٤٦

جرد مخلفات شغب “الأحد الأسود” يكشف عن واقعٍ إشكالية