فقدان المغرب لمخطوطة نادرة يغيبه عن تقديم ترشيح مقدمة ابن خلدون لليونيسكو
أثار غياب المغرب عن الملف المشترك الذي تقدمت به تونس والجزائر ومصر وتركيا لتسجيل «مقدمة ابن خلدون» في سجل «ذاكرة العالم» التابع لمنظمة اليونسكو، أسئلة حول أسباب عدم انضمام المملكة إلى المبادرة، بالتزامن مع عودة قضية نسخة أصلية نادرة من «المقدمة»، كانت محفوظة في خزانة القرويين بفاس وأصبحت مفقودة اليوم، إلى واجهة النقاش الثقافي.
وكشفت الكاتبة والصحافية سعيدة شريف، في مقال نشرته بمنصة «بيت الفن المغربي» تحت عنوان «هل أضاع المغرب النسخة الأصلية من مقدمة ابن خلدون؟!»، أن المغرب لم يكن ضمن الدول الأربع التي تقدمت، في 23 شتنبر 2026، بالترشيح المشترك لإدراج «المقدمة» في سجل «ذاكرة العالم»، رغم الارتباط الوثيق لابن خلدون بالمغرب ومدينة فاس على وجه الخصوص.
وبحسب المعطيات التي أوردتها سعيدة شريف، اقتصر ملف الترشيح على تونس والجزائر ومصر وتركيا، وهي دول استند الملف إلى ارتباط ابن خلدون بها وإلى التراث المخطوط الموجود فيها.
أما المغرب فلم يتقدم أصلاً بطلب للانضمام إلى الملف، ونقلت الكاتبة عن شرف احميمد، مدير المكتب الإقليمي لليونسكو لدى الدول المغاربية، أن غياب المغرب يعود إلى عدم تقديم المغرب ترشيحه.
وهنا يطرح سؤال مهم : ماذا حدث للنسخة الأصلية التي كان المغرب يتوفر عليها؟
تستعرض سعيدة شريف في مقالها معطيات تاريخية تفيد بأن المغرب كان يتوفر على نسخة أصلية ذات قيمة استثنائية من «مقدمة ابن خلدون»، أهداها المؤلف بنفسه إلى السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز، ووضع عليها إهداء خاصاً.
وتستند الكاتبة، ضمن مصادرها، إلى الباحث المغربي عبد السلام الشدادي، المتخصص في الدراسات الخلدونية والذي اشتغل على تحقيق «المقدمة».
ويؤكد الشدادي، وفق ما نقله المقال، أن ابن خلدون أهدى بالفعل إلى السلطان المريني نسخة أصلية من «المقدمة»، وأن هذه النسخة ورد ذكرها في مصادر تاريخية تعود إلى القرن السابع عشر.
والأهم أن الشدادي يحدد مكانها السابق بوضوح، قائلاً إن «النسخة المغربية المفقودة اليوم كانت موجودة في خزانة القرويين».
ويصنف الباحث هذه المخطوطة في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بين النسخ الأصلية لـ«المقدمة»، بعد النسخة التي قدمها ابن خلدون إلى السلطان المملوكي الظاهر برقوق والمحفوظة في إسطنبول.
والمثير في المقال أن قضية اختفاء المخطوطة لا تستند فقط إلى الإشارات التاريخية القديمة.
فقد عادت سعيدة شريف إلى حلقات من البرنامج الوثائقي المغربي «ذاكرة المدن»، الذي أنتجته الإذاعة والتلفزة المغربية سنة 1990 وخصص حلقات لخزانة القرويين وما تحتويه من مخطوطات نادرة.
وتشير الكاتبة إلى أنه خلال زيارة الخزانة، سأل المؤرخ الراحل محمد التازي سعود محافظ خزانة القرويين آنذاك عن النسخة الأصلية من «مقدمة ابن خلدون».
وجاء الجواب، بحسب ما وثقه البرنامج، الموجود على يوتيوب بأنها موجودة في معرض بالعاصمة الرباط وأنها ستعود إلى الخزانة.
غير أن المقال يثير السؤال حول ما حدث بعد ذلك، في ظل عدم وجود النسخة الأصلية اليوم ضمن المخطوطات التي يقول المسؤول الحالي عن خزانة القرويين إنها متوفرة بالمغرب.
وهنا تطرح الكاتبة سؤالها المركزي: هل عادت المخطوطة فعلاً من الرباط إلى خزانة القرويين؟ وإذا عادت، فأين توجد اليوم؟ وإذا لم تعد، فما مصيرها؟
وبين غياب المغرب عن ترشيح دولي لواحد من أشهر المؤلفات في تاريخ الفكر الإنساني، والغموض الذي يحيط بمصير نسخة أصلية نادرة كانت محفوظة في فاس، يعيد مقال سعيدة شريف فتح ملف يتجاوز الجدل حول أحقية هذه الدولة أو تلك بإرث ابن خلدون، ليطرح سؤالاً أكثر مباشرة حول كيفية صيانة المغرب لذاكرته المخطوطة وتتبع مصير كنوزه الوثائقية النادرة.
التعاليق