فضيحة تسريبات تهز قطاع الصحافة.. احزاب وهيئات تدخل على الخط
تعيش الساحة الإعلامية والسياسية في المغرب منذ مساء الخميس على وقع صدمة كبيرة، بعد انتشار تسجيلات صوتية منسوبة لأعضاء في اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون الصحافة والنشر، تتضمن عبارات وأحاديث اعتُبرت مسيئة للصحافيين وتمسّ باستقلالية القطاع. وقد فجرت هذه التسريبات موجة استياء واسعة داخل الوسط المهني، قبل أن تتحول إلى قضية رأي عام دفعت برلمانيين، نقابات مهنية، هيئات حقوقية، وأحزاب سياسية إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل وترتيب المسؤوليات.
النائبة فاطمة التامني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي وجهت مراسلة مكتوبة إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، عبّرت فيها عن “قلق بالغ” مما وصفته بالفضيحة الأخلاقية والقانونية المرتبطة بالتسجيلات المسربة. وقالت التامني إن ما جرى “يمثل انزلاقاً خطيراً يهدد مصداقية المؤسسات ويمسّ بمبادئ دولة الحق والقانون”، مضيفة أن المقاطع المتداولة “تنطوي على شبهة استغلال النفوذ، والضغط على صحافيين، وتوجيهات تمسّ بحرمة المهنة ومسؤوليتها”. ودعت البرلمانية إلى تحقيق دقيق وشامل، وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية، مع التساؤل عن الإجراءات الاستعجالية لحماية الصحافيين من أي ممارسات تضييقية.
ولم تكن التامني وحدها في هذا الموقف، إذ وجهت النائبة نادية تهامي عن فريق التقدم والاشتراكية سؤالاً كتابياً للوزير نفسه، معتبرة أن ما ظهر في التسجيلات “يضرب ثقة المهنيين والرأي العام في المؤسسات المشرفة على القطاع”، ومؤكدة أن خطورة ما ورد فيها “تستوجب تحركاً حكومياً فورياً”. ودعت تهامي الوزارة إلى الكشف عن موقفها الرسمي، وبيان التدابير المزمعة لضمان نزاهة المؤسسات المكلفة بتدبير الصحافة وصون استقلاليتها.
في السياق ذاته، عبّرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن “استنكار شديد” لما ورد في التسجيلات، معتبرة أنه “يمسّ الكرامة الإنسانية للصحافيين ويضرب قواعد المهنة”. وأكدت النقابة في بلاغ مطول أن ما جرى “يهدد صورة المغرب الحقوقية” ويسيء لمؤسسة الصحافة، مطالبة بفتح بحث شامل ومستقل يحدد المسؤوليات ويضمن عدم تكرار مثل هذه الممارسات داخل هيئات من المفترض أن تسهر على حماية حقوق الصحافيين.
الجمعية الوطنية للمحامين دخلت بدورها على خط القضية، معتبرة أن بعض العبارات الواردة في التسجيلات “تشكل إساءة مباشرة لهيئة الدفاع وتمسّ بعمق الثقة في العدالة”. وأكدت الجمعية أن استغلال أسماء محامين في سياقات “مشبوهة” أمر غير مقبول، معلنة تضامنها مع الصحافي حميد المهدوي، ومشددة في الوقت ذاته على ضرورة صون كرامة المهنة القانونية وعدم استخدام المحامين كورقة ضغط أو تشهير.
كما أصدر حزب العدالة والتنمية بياناً اعتبر فيه أن التسريبات “خطيرة وغير مسبوقة”، داعياً إلى فتح تحقيق قضائي عاجل نظراً لتداعياتها التي “تمسّ بمستقبل الصحافة وتؤثر على هيبة المؤسسات”. وحذر الحزب من التأثير السلبي لهذه الواقعة على مشروع القانون الجديد المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، مشدداً على أن المغرب بحاجة إلى منظومة إعلامية “نزيهة ومستقلة عن أي نفوذ أو تأثير غير مشروع”.
ومع توالي البلاغات والمواقف الغاضبة، تتوسع دائرة المطالبة بتحقيق شفاف يحدد حجم التجاوزات التي يمكن أن تكون قد وقعت داخل اللجنة المؤقتة. ويرى مراقبون أن القضية تعد اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الحكومة على معالجة اختلالات القطاع وضمان احترام قواعد المهنية والشفافية، خصوصاً في مرحلة تعرف نقاشاً واسعاً حول مستقبل الدعم العمومي وحوكمة المؤسسات المشرفة على تنظيم المهنة.
وبينما تستمر ردود الفعل في التصاعد، يبدو أن الرأي العام والهيئات المهنية والحقوقية تنتظر من الحكومة أجوبة واضحة وإجراءات ملموسة، خاصة في ما يتعلق بحماية استقلالية الصحافيين وتحصين القطاع من كل أشكال الاستغلال أو الضغط. وتجمع مختلف الأطراف على أن حماية حرية الصحافة ليست فقط التزاماً دستورياً، بل هي شرط أساسي لترسيخ الثقة بين المجتمع والمؤسسات.
التعاليق