إفادة
إفادة
الثلاثاء 29 سبتمبر - 11:14

فاطمة الزهراء المنصوري.. من سلالة الباشوات إلى رئاسة الحكومة

حين دخلت فاطمة الزهراء المنصوري القصر الملكي بالرباط، في التاسع والعشرين من شتنبر 2026، لتُعيّن رئيسة للحكومة المغربية، لم تكن تصل فقط إلى أعلى منصب سياسي في مسيرة بدأت قبل سبعة عشر عاماً من مجلس مدينة مراكش. كانت، بطريقة ما، تحمل معها تاريخ عائلة ظل اسمها يتحرك، جيلاً بعد آخر، بالقرب من دوائر الإدارة والأرض والقانون والسياسة.

لفهم قصة المنصوري، لا تكفي العودة إلى انتخابات 2009، حين ظهرت المحامية الشابة فجأة في واجهة السياسة المحلية وأصبحت عمدة لإحدى أهم مدن المغرب. فالجذور أقدم من ذلك بكثير، وتمتد من مراكش إلى الرحامنة، ومن عالم القواد والباشوات إلى دولة ما بعد الاستقلال، ثم إلى الأحزاب والانتخابات والحكومة.

إنها قصة صعود فردي، بالتأكيد. لكنها أيضاً قصة بيئة اجتماعية سبقت صاحبتها إلى مواقع السلطة والنفوذ بوقت طويل.

قبل السياسة.. كانت هناك الرحامنة

تقود الخيوط الأولى إلى الرحامنة، المجال القبلي الممتد شمال مراكش، حيث تشكلت على مدى عقود شبكات من الأعيان والملاك والقياد، وكان من أشهر أسمائها خلال فترة الحماية الفرنسية القايد العيادي.
هناك تمتد بعض جذور عائلة المنصوري.

وتضع روايات عائلية وبيوغرافية الجد من جهة الأب، الحاج حسن المنصوري، في عالم التجارة والفلاحة، ضمن محيط كانت تربطه صلات بالقايد العيادي. ومن جهة الأم يظهر اسم الحاج ميدرا، التاجر المراكشي ذي الأصول الأمازيغية. وتختلف بعض الروايات المنشورة في تحديد أسماء أخرى داخل شجرة الأسرة.

لكن العلاقة مع أسرة العيادي ليست مجرد أثر غامض في ذاكرة العائلة.
ففي سنة 2013، عندما عاد تاريخ القايد العيادي وعلاقته بسلطات الحماية إلى النقاش، تحدثت المنصوري بنفسها عن الصلة بين الأسرتين. قالت إن عائلة المنصوري وعائلة العيادي حافظتا على علاقات تعود إلى عشرات السنين، وإن التواصل بين الأحفاد لم ينقطع. وكانت إلى جانب فتيحة العيادي تتحرك داخل الحزب نفسه، حزب الأصالة والمعاصرة، وتستحضر معها الانتماء إلى الرحامنة.

في تلك الصورة شيء من التحول الذي عرفه المغرب نفسه: علاقات تشكلت في عالم القبيلة والأعيان، ثم عادت بعد أجيال داخل مؤسسات حديثة، بأسماء جديدة وقواعد مختلفة.

فالقايد اختفى، وحل مكانه المنتخب. والقبيلة لم تعد مؤسسة الحكم، وحل محلها الحزب وصندوق الاقتراع. لكن بعض الروابط الاجتماعية ظلت قادرة على عبور الزمن.

ظل الكلاوي

في مراكش، يصعب البحث طويلاً في تاريخ النخب والأرض والسلطة من دون أن يظهر اسم آخر: التهامي الكلاوي.
كان باشا مراكش واحداً من أقوى رجال السلطة المحلية خلال الحماية الفرنسية، وشخصية مركزية في الصراع السياسي الذي سبق نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953. ومع اقتراب الاستقلال انهار عالمه السياسي سريعاً، ثم توفي مطلع سنة 1956.
لكن الأملاك تعيش أحياناً أطول من أصحابها.

فبعد نحو سبعين عاماً، عاد اسم الكلاوي إلى قصة المنصوري من باب مختلف تماماً: العقار.
تحقيق نشره Le Desk في شتنبر 2026 تتبع ملكية «دار المزوار»، العقار التاريخي القائم عند مدخل جامع الفنا من جهة الرميلة، وخلص من الوثائق التي فحصها إلى وجود فاطمة الزهراء المنصوري وشقيقيها ضمن شبكة أصحاب الحقوق المتفرعة عن تركة تعود في أصلها إلى الكلاوي. وتظهر سلسلة انتقال الحقوق، وفق التحقيق، مرور الإرث عبر ابن بالتبني دخل التركة بموجب وصية، ثم عبر المصاهرة وانتقال الحقوق بين الأجيال.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: الوثائق العقارية التي تناولها التحقيق تشير إلى صلة إرثية، لكنها لا تثبت أن المنصوري حفيدة بيولوجية مباشرة للتهامي الكلاوي.

وهذا التفصيل ليس هامشياً.
فالقصة هنا ليست قصة نسب بقدر ما هي قصة انتقال ملكية؛ الطريقة التي تستطيع بها الأرض أن تحمل داخل رسومها آثار تحالفات ومصاهرات ومواريث تعود إلى عالم سياسي انتهى منذ عقود.

بعد زلزال الحوز سنة 2023، تعرضت دار المزوار لأضرار كبيرة. ثم دخل العقار مرحلة جديدة من انتقال الحصص والنزاعات والعمليات التجارية.

وفي قلب هذه المرحلة ظهرت شركة «دمنات فونسيير» المرتبطة بعائلة المنصوري.

كانت فاطمة الزهراء تملك، وفق الوثائق التي استند إليها التحقيق، 19 في المائة من الشركة، بينما كان شقيقاها زهير وسعد يملكان 38 في المائة لكل منهما، والبقية لشريك رابع. ثم بدأت الحصص تتحرك داخل العائلة، إلى أن نقلت المنصوري حصتها إلى شقيقها زهير بهبة في يناير 2025.

لم يعد إرث الماضي هنا حكاية عائلية تروى، بل أصبح أرقاماً في رأسمال شركة، وحصصاً في رسوم الملكية، وعقوداً يحكمها القانون التجاري والعقاري.
وهذه ربما إحدى أكثر الصور دلالة في تاريخ الأسرة: الانتقال من عالم الباشا إلى عالم الشركة، بينما بقي العقار نفسه شاهداً على العبور بين الزمنين.

الأب.. باشا ومحام وسفير

بين عالم الكلاوي القديم وعالم ابنته السياسي، يقف عبد الرحمن المنصوري.

والد فاطمة الزهراء لم يكن شخصية هامشية في مراكش. كان محامياً، وتولى نقابة المحامين، ثم شغل منصب باشا المدينة لنحو ثماني سنوات، قبل أن ينتقل إلى الدبلوماسية سفيراً للمغرب لدى دولة الإمارات العربية المتحدة.
في ذلك البيت نشأت فاطمة الزهراء.

ولذلك، حين ستصبح لاحقاً «عمدة مراكش»، سيكون في اللقب شيء من المفارقة التاريخية: الابنة ستعود إلى المدينة التي مارس فيها الأب سلطة الباشا، ولكن عبر مؤسسة منتخبة وفي سياق سياسي مختلف.
السلطة التي عرفها الأب كانت سلطة الإدارة الترابية؛ أما سلطة الابنة فستأتي من المجلس الجماعي والحزب والحكومة.
تغيرت المؤسسة. وبقي اسم العائلة في المجال العام.
عائلة لا يحكمها حزب واحد

ومع ذلك، سيكون من الخطأ تصوير آل المنصوري ككتلة سياسية تتحرك بأمر واحد.

فأفراد من الأسرة ظهروا في أحزاب أخرى، وخصوصاً الاتحاد الدستوري، كما برزت أسماء عائلية في المؤسسات المنتخبة بمراكش. وهذا التعدد يكشف أن القرابة لم تكن تعني بالضرورة وحدة الاختيار الحزبي.

الأكثر أهمية في فهم البيئة التي ستخرج منها المنصوري إلى السياسة هو شبكة أخرى من العلاقات، تصل العائلة بأحد أكثر الأسماء تأثيراً في نشأة حزب الأصالة والمعاصرة: فؤاد عالي الهمة.

وتظهر في الروايات المنشورة صلة مصاهرة تمر عبر عبد الإله المنصوري، ابن عم فاطمة الزهراء، وزواجه من شقيقة فؤاد عالي الهمة.

ليست المصاهرة، في حد ذاتها، دليلاً على سبب مسار سياسي أو قرار حزبي. لكنها جزء من البيئة الاجتماعية التي أحاطت ببدايات المنصوري، وتكتسب دلالتها السياقية لأن عالي الهمة كان من أبرز الشخصيات المرتبطة بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.
بعد عام واحد فقط، كانت المنصوري تخوض تجربتها الانتخابية الأولى تحت راية الحزب.

2009.. الابنة تعود إلى مدينة الأب

كان عمرها ثلاثة وثلاثين عاماً.
تلقت تعليمها في مؤسسات البعثة الفرنسية بمراكش، ثم درست القانون الخاص بجامعة محمد الخامس، وانتقلت إلى مونبلييه لدراسة قانون عقود الأعمال، قبل أن تستكمل تكويناً في قانون الأعمال ذي التوجه الأنغلوسكسوني بجامعة نيويورك. ثم عادت إلى المغرب واتجهت إلى المحاماة والأعمال والعقار.
لم تكن السياسة هي مهنتها الأولى.
لكن سنة 2009 غيرت المسار.
في ذلك العام دخلت الانتخابات باسم حزب لم يكن قد مضى على تأسيسه سوى عام تقريباً. وفي الشهر نفسه توفي والدها عبد الرحمن المنصوري. وبعد أيام من الانتخابات، أصبحت ابنته عمدة مراكش.
هكذا عادت عائلة المنصوري إلى موقع متقدم في تدبير المدينة، لكن هذه المرة عبر امرأة شابة ومحامية ومنتخبة.

العقار.. الخيط الذي يعود دائماً

لكن هناك خيطاً يكاد يظهر في أكثر من مرحلة من قصتها: الأرض.
درست قانون الأعمال، واشتغلت في المجال القانوني المرتبط بالأعمال والعقار. كان زوجها الأول شكري برادة رجل أعمال نشطاً في القطاع العقاري، وأنجبا طفلين قبل انتهاء زواجهما. وتوفي برادة لاحقاً بعد معاناة مع المرض.
وكانت العائلة نفسها تملك أصولاً عقارية.
ثم، بعد سنوات، ستصبح المنصوري وزيرة مسؤولة عن إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
ذلك التداخل بين السيرة المهنية والعائلية والقطاع الذي ستديره سيعود إلى الواجهة بقوة في 2026، عندما انفجر الجدل حول أراضي تسلطانت بضواحي مراكش.

أظهرت وثائق تناولتها تحقيقات صحفية عملية تفويت لعشرات الهكتارات من أراضي العائلة، وطرحت أسئلة حول وضعيتها ومسارها التعميري. وفي المقابل، قدم مسؤولون وقيادات في حزب الأصالة والمعاصرة رواية مضادة، مؤكدين أن الأرض ملك خاص اقتناها والد المنصوري منذ سنة 1977، وأن المساطر التعميرية للمشروع احترمت الإجراءات القانونية ولم تمنح العائلة امتيازاً استثنائياً.

مرة أخرى، ظهرت الأرض باعتبارها جزءاً من تاريخ العائلة الاقتصادي، وفي الوقت نفسه موضوعاً للنقاش السياسي حول مسؤولة تتولى حقيبة التعمير.

مصاهرة ثانية.. نحو شمال المغرب

وفي سنة 2023، دخل إلى الخريطة العائلية اسم جديد.
تزوجت المنصوري من نبيل بركة، المرتبط بمؤسسة الشرفاء العلميين، وهو ابن عبد الهادي بركة، الذي سبق أن شغل موقعاً في نقابة الشرفاء العلميين المرتبطين بمولاي عبد السلام بن مشيش وجبل العلم.
كانت مصاهرة مختلفة عن المحيط المراكشي الذي نشأت فيه.
من الرحامنة وأعيانها، إلى مراكش وباشواتها وملاكها، ثم إلى بيئة اجتماعية ودينية ضاربة بجذورها في شمال المملكة.

وبعد ذلك بعام، ظهر اسم نبيل بركة في جدل عقاري آخر، هذه المرة حول أراض مرتبطة بالشرفاء العلميين. ورد بركة على الاتهامات الموجهة إليه نافياً أن يتعلق الأمر بملكية شخصية، ومؤكداً أن الملف يعود إلى مطلب تحفيظ باسم الشرفاء العلميين.
وهكذا، حتى في هذه المصاهرة، عادت الأرض إلى الظهور.

من مراكش إلى الحكومة

لكن اختزال المنصوري في عائلتها سيكون بدوره قراءة ناقصة.
فالمرأة التي دخلت مجلس مراكش سنة 2009 بقيت في السياسة سبعة عشر عاماً قبل أن تصل إلى رئاسة الحكومة.
ترأست المدينة بين 2009 و2015. وعادت إلى عموديتها سنة 2021. وفي السنة نفسها دخلت حكومة عزيز أخنوش وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. ثم صعدت داخل حزبها حتى أصبحت، في فبراير 2024، منسقة للقيادة الجماعية.
وفي شتنبر 2026 تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية. وبعد ستة أيام من اقتراع 23 شتنبر، استقبل الملك محمد السادس المنصوري في القصر الملكي بالرباط وعيّنها، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
للمرة الأولى، أصبحت امرأة على رأس الحكومة المغربية.
لكن الوصول إلى تلك اللحظة لا يبدأ، في سيرة المنصوري، عند باب القصر.
بل يمكن تتبع خيوطه إلى بيت الأب في مراكش، وإلى مهنة المحاماة، وإلى انتخابات 2009، وإلى حزب حديث التأسيس آنذاك، وإلى شبكة اجتماعية وعائلية أقدم من الحزب نفسه.

من داخل تاريخ السلطة

في سيرة فاطمة الزهراء المنصوري شيء نادر: يمكن عبر عائلتها المرور على أكثر من قرن من تحولات النخبة المغربية.
في الخلفية البعيدة، الرحامنة وعالم الأعيان والقواد.
ثم يظهر الكلاوي، لا بوصف المنصوري امتداداً سياسياً له، بل من خلال سلسلة إرث عقاري حملت آثار ذلك الزمن إلى الحاضر.
بعد ذلك يأتي الأب، عبد الرحمن المنصوري: محام ونقيب وباشا وسفير في دولة المغرب المستقل.
ثم يأتي جيل الأبناء، حيث تتحول بعض عناصر المكانة القديمة إلى أشكال حديثة: شركات، ملكية عقارية، محاماة، أحزاب، انتخابات ومناصب حكومية.
وبين هذه الأجيال تمتد شبكة من المصاهرات والعلاقات: أسرة العيادي في الرحامنة، الصلة العائلية بمحيط فؤاد عالي الهمة، ثم المصاهرة مع أسرة نبيل بركة والشرفاء العلميين.

لا تثبت هذه الروابط، بمفردها، أن المسار السياسي للمنصوري كان نتيجة لها. ولا تسمح الوقائع بتحويل النسب أو المصاهرة إلى تفسير سببي جاهز لصعودها.

لكنها تثبت شيئاً أبسط وأكثر أهمية لفهم الشخصية: فاطمة الزهراء المنصوري لم تدخل الحياة العامة من فراغ اجتماعي.

لقد نشأت داخل أسرة عرفت الإدارة والقانون والدبلوماسية والملكية العقارية، وفي محيط امتلك شبكة من العلاقات والمكانة الاجتماعية المتراكمة عبر أجيال. ثم أضافت إلى ذلك مساراً شخصياً طويلاً في المحاماة والتدبير المحلي والحزب والحكومة.
وهنا تكمن القيمة الأوسع لقصتها.

فهي ليست فقط قصة أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة المغربية. إنها أيضاً نافذة على سؤال قديم في دراسة النخب: ماذا يحدث للعائلات القريبة من السلطة عندما تتغير أشكال السلطة نفسها؟

في حالة آل المنصوري، لم يبق الباشا باشا، ولم يبق عالم الأعيان كما كان، ولم تعد الأرض وحدها مصدراً للمكانة. جاءت الأحزاب، والمجالس المنتخبة، والشركات، والجامعات، والحكومة.
تغيرت المؤسسات، وتغيرت الألقاب، وتغيرت قواعد الوصول.

لكن لم تتغير قبضة النخب على السلطة

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق