غلاء الأضاحي يفضح اختلالات السوق..
مع كل اقتراب لعيد الأضحى، يتكرر المشهد نفسه في المغرب: أسعار ملتهبة، أسر مثقلة بالديون، وحكومة تعلن حربا جديدة على المضاربين والوسطاء. غير أن الجدل المتصاعد هذه السنة حول غلاء الأضاحي أعاد طرح سؤال أعمق يتعلق بجدوى السياسات العمومية الموجهة لقطاع تربية الماشية، بعد سنوات من الدعم المالي الضخم دون انعكاس واضح على الأسعار.
وفي الوقت الذي شددت فيه الحكومة إجراءات المراقبة والتتبع، عبر الحديث عن محاربة “الشناقة” وتكثيف المراقبة داخل الأسواق، يرى متابعون أن اختزال الأزمة في المضاربة وحدها لا يفسر الارتفاع المتواصل للأسعار، خاصة وأن ثمن الأضحية تضاعف تقريبا خلال السنوات الست الأخيرة، رغم ضخ ما يقارب 24 مليار درهم لدعم القطاع.
وتكشف المعطيات المتداولة داخل المهنيين أن المربي، الذي يتحمل تكاليف العلف والرعاية والمخاطر المناخية والصحية، لا يحصل سوى على نسبة محدودة من السعر النهائي للأضحية، بينما تستفيد حلقات الوساطة والتوزيع من هامش أكبر بكثير.
ففي أضحية يصل سعرها إلى خمسة آلاف درهم، لا تتجاوز حصة المربي، بحسب تقديرات مهنية، نحو 12 في المائة من الثمن النهائي، مقابل حوالي 34 في المائة تستفيد منها حلقات الوساطة وإعادة البيع، وهو ما يسلط الضوء على اختلال بنيوي في سلاسل التسويق والتوزيع.
ويرى مراقبون أن المشكلة الحقيقية تتجاوز وجود مضاربين ظرفيين، لتلامس بنية سوق توصف بأنها “غير شفافة”، حيث تتعدد حلقات الربح دون مراقبة فعلية لمسار الأسعار وهوامش الربح، بينما تبدو آليات الضبط العمومي محدودة الأثر على أرض الواقع.
ويزداد الجدل حدة مع تزايد التشكيك حتى في الأرقام المرتبطة بحجم القطيع الوطني، في ظل تضارب المعطيات حول أعداد رؤوس الماشية وتراجعها بفعل سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يطرح، وفق متابعين، إشكالا يتعلق بفعالية أدوات التتبع والتخطيط العمومي.
وفي مقابل الخطاب الرسمي الذي يركز على محاربة المضاربة، تتصاعد الدعوات إلى فتح نقاش أوسع حول حكامة القطاع، وشفافية سلاسل التوزيع، وكيفية توجيه الدعم العمومي، ومدى استفادة المربي الصغير والمستهلك النهائي منه.
ويرى مهنيون أن الإجراءات الزجرية والمراقبة الظرفية قد تحد من بعض التجاوزات على المدى القصير، لكنها لن تكون كافية لخفض الأسعار بشكل مستدام، ما لم تتم معالجة الاختلالات العميقة المرتبطة بتنظيم السوق وهيمنة الوسطاء وضعف المنافسة.
وبين الدعم العمومي الضخم وواقع الأسعار المرتفعة، يجد المواطن المغربي نفسه، مرة أخرى، أمام معادلة صعبة: مليارات تصرف باسم حماية القطاع، لكن القدرة الشرائية تستمر في التآكل مع كل موسم عيد.
التعاليق