غلاء الأضاحي يحرج حكومة أخنوش.. وفرة البلاغات واشتعال في الاسعار
عاد غلاء أسعار الأضاحي ليضع حكومة عزيز أخنوش أمام اختبار اجتماعي جديد، مع اقتراب عيد الأضحى، في ظل اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن وفرة العرض واستقرار التموين، وبين واقع الأسواق الذي يشتكي فيه المواطنون من أثمنة “حارقة” تجاوزت القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأسر.
فبينما تؤكد الحكومة أنها اتخذت سلسلة من التدابير لدعم القطيع الوطني وضمان تموين الأسواق، تكشف جولات المواطنين داخل الأسواق الأسبوعية ونقط البيع صورة مختلفة؛ أسعار مرتفعة، عرض لا ينعكس على الأثمنة، وأسر كثيرة باتت عاجزة عن اقتناء أضحية بحجم متوسط دون إنهاك ميزانيتها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت أسعار الأغنام إلى مادة يومية للنقاش في مواقع التواصل الاجتماعي والمجالس العائلية والأسواق الشعبية، بعدما بلغ ثمن عدد من الأضاحي، في بعض المناطق، ما بين 4 آلاف و7 آلاف درهم، وهي مستويات يعتبرها كثيرون بعيدة عن إمكانيات الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة سؤال نجاعة السياسات الحكومية في تدبير سلاسل الإنتاج والتوزيع، خصوصا أن الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام وإلغاء الرسوم الجمركية لم يظهر أثره بشكل ملموس في جيوب المواطنين، الذين يتساءلون عن المستفيد الحقيقي من هذه الإجراءات.
وتعزو الحكومة ارتفاع الأسعار إلى تراكمات سنوات الجفاف، وارتفاع كلفة الأعلاف، وتراجع أعداد القطيع الوطني، فضلا عن التضخم الدولي وتكاليف النقل والاستيراد. غير أن هذه المبررات، وإن كانت حاضرة في تفسير جزء من الأزمة، لا تعفي الجهاز التنفيذي من مسؤولية مراقبة السوق وضمان وصول أثر الدعم إلى المستهلك النهائي.
ويعتبر متابعون أن ما يقع اليوم في أسواق الأضاحي لا يمكن فصله عن اختيارات حكومة أخنوش في المجال الفلاحي والغذائي، ولا عن النقاش المتجدد حول الأمن الغذائي والقدرة الشرائية، في بلد أصبح فيه المواطن يواجه موجات متتالية من الغلاء دون أن تترجم الإجراءات الحكومية إلى انخفاض فعلي في الأسعار.
وفي مقابل الخطاب الرسمي الذي يطمئن إلى “توازن السوق”، يشتكي مربو الماشية والكسابة بدورهم من ارتفاع تكاليف التربية والعلف والتلقيح والنقل، مؤكدين أن الأزمة تضغط على المنتج الصغير كما تضغط على المستهلك، بينما تبقى حلقات الوساطة والمضاربة في قلب الاتهامات الشعبية.
وتكشف هذه المفارقة عن خلل بنيوي في تدبير القطاع، حيث يجد المواطن نفسه أمام أسعار ملتهبة، فيما يجد المنتج الصغير نفسه محاصرا بكلفة إنتاج مرتفعة، في حين لا تبدو آليات المراقبة والتدخل العمومي قادرة على ضبط السوق أو الحد من اختلالاته.
كما أعاد هذا الجدل النقاش حول القدرة الشرائية للمغاربة، خاصة في سياق ارتفاع متواصل لأسعار عدد من المواد الأساسية، ما جعل اقتناء الأضحية بالنسبة إلى عدد من الأسر يتحول من شعيرة دينية واجتماعية إلى عبء مالي ثقيل.
وفي الأسواق، لم تعد مشاهد التردد والاستفسار دون شراء استثناء؛ إذ يفضل كثير من المواطنين تأجيل القرار إلى الأيام الأخيرة أملا في تراجع الأسعار، بينما تتجه أسر أخرى إلى الاستغناء عن الأضحية بسبب الكلفة المرتفعة.
وبين بلاغات الطمأنة الحكومية وواقع الأسواق، يجد المواطن المغربي نفسه أمام سؤال مباشر: أين أثر السياسات العمومية والدعم المعلن إذا كانت الأسعار لا تزال خارج المتناول؟
وهكذا، لا يبدو جدل الأضاحي مجرد نقاش موسمي حول “الحولي”، بل يتحول إلى عنوان أوسع لأزمة ثقة بين الحكومة والمواطن، وإلى اختبار حقيقي لقدرة حكومة أخنوش على حماية القدرة الشرائية وضبط الأسواق في لحظة اجتماعية شديدة الحساسية.
التعاليق