رشيد السمكي
رشيد السمكي
الأربعاء 22 أكتوبر 2025 - 10:13

عبد القادر مطاع… أحببناه لأنه يشبهنا

في وداعه، لا نُحصي أعماله بقدر ما نستعيد أصوات البيوت حين كان الراديو سيد المساء، وحين كانت الشاشة تُعرّفنا على وجوهٍ تحفظها قلوب الناس أكثر مما تحفظ الكاميرا ملامحهم. هكذا كان عبد القادر مطاع: ملامح هادئة، صوت واثق، وخطوات فنان يتقدّم بطمأنينة من المسرح إلى الإذاعة ثم إلى التلفزيون والسينما، من دون ضجيجٍ ولا ادّعاء.

بدأ الرحلة مع فرقة المعمورة، بين روّادٍ أسّسوا لخشبةٍ تُشبه المغرب في بساطته. هناك تعلّم مطاع حرفته الأولى الإصغاء للنص، وللشخصية، ولنبض الجمهور. ثم جاءت الإذاعة لتمنحه جناحين إضافيين؛ صوته القوي لم يكن زينة أداء، بل جسرًا حقيقيًا يعبر منه الإحساس إلى المستمعين. من الأثير دخل إلى البيوت، ومن البيوت إلى الذاكرة.

في السينما، سيبقى «وشمة» (1970) علامةً لا تُنسى؛ فيلمًا فتح شباكًا على حداثةٍ فنيةٍ شجاعة، وكان مطاع جزءًا من تلك الشجاعة. لم يكن يرفع صوته ليأخذ مكانه، كان يمنح الشخصية حقّها في الصمت حين يلزم، وفي الجرح حين يلزم، وفي البسمة حين يلزم. هذا التوازن النادر رافقه إلى التلفزيون، حيث صار «الطاهر بلفرياط» في «خمسة وخميس» (1987) شخصيةً تعيش خارج العمل نفسه؛ شخصية يلتقطها الناس لأنها تُشبه حياتهم وتقلّباتها، مرارتها العذبة وحلاوتها المُرّة. وتوالت المحطات: «ستة من ستين» (1988)، «ذئاب في الحلقة» (1997)، «أولاد الناس» (1999)، «دواير الزمان» (2000)، «يوم غير العادة» (2008)، «دموع الرجال» (2014)… أعمالٌ تؤكد أن مطاع لم يكن أسير نوعٍ واحد، بل حاملَ حِسٍّ إنساني واحد في كل الأنواع.

بعد الألفين، واصل توسيع المدى: «الباندية» (2003)، «لعب مع الذئاب» (2005)، «كلاب الدوار» (2010). عناوين تقول إن الرجل لا يبحث عن البطولة بالضرورة، بل عن المعنى: كيف يمكن لدورٍ بسيط أن يترك أثرًا عميقًا؟ كيف يمكن لمشهدٍ موجز أن يبقى في الذهن أطول من مسلسلٍ كامل؟

امتحنته السنوات الأخيرة في الجسد، فواجهها بصلابة الصابرين. فقدان البصر لم يُطفئ الضوء في داخله؛ ظلّ حاضرًا، يبتسم للناس، يبادل التحية بمثلها، وكأنه يقول إن الفن ليس ما نراه فقط، بل ما نشعر به ايضاً.

ما الذي يبقى من عبد القادر مطاع “الطاهر بلفرياط” الذاكرة؟
تبقى طريقة أن تكون قريبًا من الناس دون أن تتنازل عن حرفتك، وأن تُضحكهم من غير ابتذال، وأن تُبكيهم من غير مبالغة.

رحل عبد القادر مطاع عن عمر 85 عامًا، لكنّ الأعمار في الفن تُقاس بما خلفوه بعد الغياب. وما تركوه في قلوب المغاربة، فسيظل صوته علامة هدأةٍ مسائية، ووجهه رفيق حكاياتٍ عائلية، ودوره دليلًا على أن الفنان الحقيقي ليس من يملأ الصورة… بل من يملأ المعنى.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق