عاجل … لقجع وزيرا لحكومة المونديال
في العلوم السياسية، لا تُقاس قوة النظام السياسي بقدرته على تنظيم الانتخابات، وإنما بقدرته على إنتاج السلطة. فالانتخابات ليست سوى الحلقة الأخيرة في عملية تبدأ قبل سنوات من فتح مكاتب الاقتراع. وخلال تلك السنوات، تتحدد موازين القوى، وتُعاد صياغة التحالفات، وتُبنى الأحزاب، ويُعاد توزيع النخب، وتتبلور الشخصية التي ستقود المرحلة المقبلة.
لهذا السبب، فإن الإعلان الرسمي عن انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد انتقال فردي من موقع إداري إلى حزب سياسي. فالحدث، في نظر كثير من المراقبين، يندرج ضمن مسار سياسي أوسع، عنوانه إعادة تشكيل الحقل الحزبي استعداداً لمرحلة ما بعد انتخابات 2026، وربما لما بعدها أيضاً، مع اقتراب المغرب من استحقاق تنظيم كأس العالم 2030.
ليس السؤال، إذن، هو ما إذا كان لقجع يملك الحق في ممارسة السياسة. فهذا حق يكفله الدستور لأي مواطن. كما أن سجله في تدبير ملفات مالية ورياضية كبرى يجعل حضوره في المجال السياسي أمراً طبيعياً من حيث المبدأ.
السؤال الحقيقي هو سؤال آخر أكثر عمقاً: هل نحن أمام دينامية حزبية طبيعية، أم أمام إعادة ترتيب للمشهد السياسي تجعل الانتخابات تتوج مساراً بدأ قبلها بسنوات؟
من اختيار رئيس الحكومة إلى صناعة الحزب الذي سيفوز
منذ دستور 2011، أصبح الفصل 47 يمثل أحد أهم التحولات في البناء الدستوري المغربي، بعدما ربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب.
غير أن هذا التحول، في نظر عدد من الباحثين في النظم السياسية، لا يلغي بالضرورة قدرة السلطة على التأثير في إنتاج السلطة التنفيذية، بل يغيّر فقط مستوى هذا التأثير.
فإذا كان تعيين رئيس الحكومة من خارج الحزب الفائز لم يعد ممكناً دستورياً، فإن مركز الثقل ينتقل إلى مرحلة سابقة: مرحلة إنتاج الحزب الذي سيفوز.
وهنا تتغير طبيعة السؤال السياسي، فلم يعد السؤال: من سيصبح رئيساً للحكومة؟ بل: كيف يُصنع الحزب الذي سيتصدر الانتخابات؟
فالسياسة لا تُدار فقط عبر النصوص الدستورية، بل أيضاً عبر بناء البيئة التي تجعل تطبيق تلك النصوص يقود إلى نتائج معينة.
الديمقراطية الإجرائية والديمقراطية الفعلية
قد تُجرى الانتخابات في موعدها، وقد تتنافس الأحزاب بحرية، وقد تُحتسب الأصوات بصورة سليمة، لكن ذلك لا يحسم وحده السؤال الديمقراطي.
فالديمقراطية ليست فقط سلامة الاقتراع، وإنما سلامة البيئة التي تسبق الاقتراع.
في هذا السياق، يمكن قراءة هذا الطرح من خلال عدد من العناصر باعتبارها مكونات لبنية سياسية واحدة: استمرار الوزن الحاسم للأعيان في العديد من الدوائر، اتساع ظاهرة العزوف الانتخابي، بقاء نظام التسجيل في اللوائح الانتخابية على حاله، أثر التقطيع الانتخابي في توزيع المقاعد، ثم قدرة الفاعلين المحليين على إعادة تموضعهم وفق قراءتهم لاتجاه موازين القوة داخل الدولة.
كل عنصر من هذه العناصر قد يبدو، إذا نظر إليه منفرداً، جزءاً عادياً من الحياة السياسية.
لكن اجتماعها، وفق هذه القراءة، ينتج ما يشبه «هندسة انتخابية» تجعل النتائج النهائية أكثر قابلية للتوقع مما توحي به المنافسة الظاهرة.
وعند هذه النقطة، لا تصبح الانتخابات لحظة إنتاج القرار السياسي، بل لحظة المصادقة عليه.
التكنوقراط… من الحكومة إلى الحزب
لوقت طويل، اعتمدت الدولة المغربية على شخصيات تكنوقراطية لإدارة قطاعات استراتيجية.
ففي مرحلة ما قبل دستور 2011، لم يكن ذلك يثير الإشكال نفسه، لأن البناء الدستوري كان يسمح بهامش واسع في تشكيل السلطة التنفيذية، لكن مع ربط رئاسة الحكومة بالحزب الفائز، لم يختف التكنوقراط من المشهد.
بل تغير فقط طريقة إدماجهم، فبدل أن ينتقل المسؤول مباشرة إلى الحكومة، أصبح يمر أولاً عبر الحزب.
بهذا المعنى، لا يعود الحزب مصنعاً للقيادة السياسية، بل يصبح الجسر الذي تعبر من خلاله القيادة إلى الشرعية الدستورية.
من 2011 إلى 2021… ثم إلى 2026
ان اجراء قراءة عميقة للمشهد الحالي لا يمكن فصله عن محطات سابقة، فقبل انتخابات 2011، عرف حزب الأصالة والمعاصرة صعوداً سريعاً، رافقته موجة واسعة من الاستقطابات، وقراءات تحدثت آنذاك عن إعداد الحزب لقيادة المرحلة المقبلة.
ثم جاءت تحولات الربيع العربي والإصلاح الدستوري لتغير مسار الأحداث.
وقبل انتخابات 2021، لم يكن صعود عزيز أخنوش حدثاً مفاجئاً.
بل جاء بعد سنوات من إعادة بناء حزب التجمع الوطني للأحرار، واستقطاب المنتخبين، وتوسيع التنظيم، وتقديم الحزب باعتباره البديل القادر على قيادة السلطة التنفيذية.
وفي النهاية، جاءت الانتخابات لتمنح هذا المسار شرعيته الدستورية.
واليوم، تعود نفس الأشياء لتتطابق عناصر مشابهة عادت إلى الواجهة.
انضمام فوزي لقجع.
استقطابات واسعة داخل الأصالة والمعاصرة.
تحركات انتخابية في الأقاليم الجنوبية، بما تمثله من ثقل سياسي وانتخابي.
وتراجع التجمع الوطني للأحرار إلى موقع يبدو أقل اندفاعاً نحو معركة قيادة الحكومة المقبلة.
بعد أخنوش… بداية انتقال مركز الثقل؟
في هذا السياق، يكتسب قرار عزيز أخنوش مغادرة الأمانة العامة لحزب التجمع الوطني للأحرار دلالة سياسية خاصة.
فالقرار جاء قبل سنة انتخابية مفصلية، وفي وقت كان منطق الأشياء يقتضي أن يقود رئيس الحكومة حزبه إلى الاستحقاقات المقبلة، خرج بشكل مفاجيء مسار انتخاب محمد شوكي خلفاً لاخنوش.
بعيداً عن تقييم الرجل، فإن انتخاب شخصية أقل حضوراً من أسماء أخرى وازنة داخل الحزب دفع كثيراً من المتابعين إلى قراءة الخطوة باعتبارها بداية إعادة توزيع للأدوار داخل الأغلبية.
وبحسب هذه القراءة، فإن أخنوش لم يغادر المشهد السياسي، بل غادر موقع القيادة المباشرة، محتفظاً بإمكان التأثير من الخلف، بينما انتقل مركز الثقل تدريجياً إلى فضاء حزبي آخر.
القيادة الجماعية للبام… تفصيل تنظيمي أم مفتاح المرحلة المقبلة؟
غير أن أكثر العناصر إثارة للاهتمام لا يتعلق بفوزي لقجع نفسه، وإنما بالبنية التنظيمية الجديدة لحزب الأصالة والمعاصرة.
فالحزب لم يعد يقوده أمين عام، بل قيادة جماعية ثلاثية.
قد يبدو ذلك مجرد تعديل تنظيمي، غير أن السياسة لا تكتفي بوصف البنية، بل تبحث دائماً عن الوظيفة.
فمنذ دستور 2011، ترسخ عرف سياسي غير مكتوب، يقوم على أن الأمين العام للحزب المتصدر هو المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة.
هذا العرف لا يفرضه الدستور، لكنه أصبح جزءاً من الممارسة السياسية.
أما في حالة القيادة الجماعية، فإن هذا العرف يفقد تلقائيته، فلن يكون هناك أمين عام واحد يحتكر الشرعية التنظيمية لقيادة الحكومة.
وبذلك يصبح الحزب أكثر مرونة في تقديم أي شخصية يراها مناسبة لرئاسة الحكومة، حتى وإن كانت قد التحقت به في مرحلة متأخرة نسبياً.
ومن هنا يبرز سؤال سياسي مشروع، هل جاء اعتماد القيادة الجماعية استجابة لحاجات تنظيمية داخلية فقط؟
أم أنه، في الوقت نفسه، خلق الإطار التنظيمي الذي يسمح باستقبال شخصية ذات وزن إداري وسياسي كبير، دون الاصطدام بعقبة الأمانة العامة أو الحاجة إلى إزاحة قيادة قائمة؟
ان التحليل السياسي يهتم دائماً بالعلاقة بين البنية والوظيفة، لذلك فمن الطبيعي حين تتزامن إعادة بناء القيادة التنظيمية مع التحاق شخصية يجري تداول اسمها على نطاق واسع باعتبارها مرشحة لقيادة المرحلة المقبلة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الأمر مجرد تزامن، أم أن البنية التنظيمية نفسها كانت جزءاً من إعادة هندسة المشهد.
حكومة المونديال
قد يكون هذا هو الوصف الأكثر دقة للمرحلة المقبلة، ليس لأن فوزي لقجع ارتبط اسمه بكأس العالم فقط، بل لأن الدولة تدخل مرحلة سيكون عنوانها الأساسي إنجاح استحقاق 2030.
ومثل هذه المرحلة تفضل، بطبيعتها، شخصيات تمتلك خبرة في تدبير المشاريع الكبرى، والتنسيق بين المؤسسات، وإدارة الملفات المعقدة.
لكن نجاح الدولة في تنظيم حدث عالمي لا يجيب وحده عن سؤال السياسة.
فالحكومة ليست مجرد جهاز للإنجاز، إنها أيضاً مؤسسة للتوازن بين المصالح، وتوزيع الموارد، وإدارة الاختلافات الاجتماعية، وإنتاج الشرعية الديمقراطية.
ولهذا، فإن النقاش حول رئاسة الحكومة المقبلة لا ينبغي أن ينحصر في أسماء الأشخاص، بل في الطريقة التي تُنتج بها السلطة داخل النظام السياسي.
أكثر من مجرد انتخابات
إذا كان هذا التحليل صحيحاً، فإن المغرب لا يعود إلى مرحلة تعيين رئيس الحكومة من خارج نتائج الانتخابات، ومن خارج العملية الديمقراطية الفعلية لا الإجرائية.
ليبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة:
هل كانت التحولات التي عرفها المشهد الحزبي خلال الأشهر الأخيرة مجرد تفاعلات سياسية عادية فرضتها المنافسة بين الأحزاب؟
أم أنها كانت، منذ البداية، أجزاءً من هندسة سياسية متكاملة هدفها إنتاج «حكومة المونديال»؟
التعاليق