ظاهرة التسول بالأطفال في المغرب: بين تجريم القانون وتقاعس السلطات
بات مشهد الأطفال الصغار وهم يرافقون نساء في وضعية تسول، أو يجلسون على الأرصفة وفي مفترقات الطرق بأعين شاحبة وملابس رثة، جزءاً من الحياة اليومية في عدد من المدن المغربية، من الدار البيضاء إلى فاس، ومن طنجة إلى مراكش. ظاهرة التسول باستغلال الأطفال لم تعد مجرد سلوكاً فردياً أو لحظياً، بل أصبحت نمطاً ممنهجاً ومتزايداً يطرح أسئلة حقيقية حول فعالية الدولة، ومدى احترام المغرب لتعهداته الحقوقية الدولية.
جريمة في ظاهرها “استعطاف”:
المثير للقلق أن هذه الظاهرة تتغذى على تعاطف الناس الطبيعي مع الطفولة، حيث يتحول الطفل من كائن يستحق الحماية والرعاية إلى أداة لاستدرار الشفقة وجمع المال. وغالباً ما يكون الطفل ضحية لعلاقات استغلالية إما داخل الأسرة أو من قبل شبكات مافيوزية تنظم التسول كمصدر ربح دائم.
في بعض الحالات، لا يكون الطفل بالضرورة ابن السيدة التي تتسول به، بل يُستعار أو يُؤجّر مقابل مبالغ مالية. وقد وثّقت تقارير إعلامية مغربية شهادات عن أطفال يتم تناوبهم بين “مُتسولات” أو استغلالهم في أوقات الذروة قرب المساجد أو الأسواق.
نصوص قانونية قوية مقابل ضعف اداء السلطات:
القانون المغربي لا يبيح هذا السلوك إطلاقاً، بل يُجرّمه بوضوح. فالفصل 482 من القانون الجنائي المغربي يعاقب على كل من استغل قاصراً في أعمال تسول. كما أن القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر يجرّم الاستغلال الاقتصادي للأطفال بشكل مباشر، بما في ذلك إجبارهم أو دفعهم إلى التسول.
وفي ما يخص حماية الطفل، يُعد المغرب طرفاً في اتفاقية حقوق الطفل منذ سنة 1993، وهي الاتفاقية التي تُلزم الدول الموقعة باتخاذ كل التدابير لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي ومن أي عمل يُرجّح أن يكون ضاراً بصحتهم أو بتطورهم العقلي أو المعنوي أو الاجتماعي.
إلى جانب ذلك، ينص الدستور المغربي في فصله 32 على أن الدولة “تسهر على توفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، كيفما كانت وضعيتهم العائلية”.
ومع ذلك، تظل هذه النصوص حبراً على ورق في الكثير من الحالات، في ظل غياب آليات ناجعة للرصد والتدخل، وتقاعس واضح في ملاحقة مرتكبي هذه الانتهاكات سواء من أولياء الأمور أو من شبكات متخصصة.
فوضى التسول في الشارع يسائل الجميع :
رغم تقارير صحفية مستمرة وانتشار الظاهرة التي أصبحت تؤرق كل متجول في مدن المملكة، لم تُسجّل حالات متابعة جدية في الملفات المتعلقة بالتسول بالأطفال إلا في حالات نادرة، وغالباً ما تُعالج كقضايا “اجتماعية” عوض متابعتها جنائياً كجرائم تتعلق بالاتجار بالبشر أو الاستغلال الاقتصادي.
السلطات المحلية والأمنية تتعامل مع الظاهرة بمنطق “الموسمية”، فتشن بعض الحملات المؤقتة وتختفي، بينما تستمر الظاهرة بشكل يومي. في بعض المدن، أصبحت مناطق معينة معروفة كمراكز لتجمع المتسولين بالأطفال، من دون أن تتحرك السلطات لتفكيك شبكاتهم أو حتى لحماية القاصرين.
وهو ما يعني ان استفحال الأمر تتضافر حوله مجموعة من العوامل تشمل غياب الإرادة السياسية، ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاجتماعية، وعدم تفعيل النصوص القانونية كما ينبغي.
عندما تصبح الطفولة رهينة الفقر والاستغلال:
الوجه الأخطر للظاهرة لا يكمن فقط في التعدي على الطفولة، بل في التطبيع المجتمعي معها. فجيل كامل من الأطفال يكبر على هامش المجتمع، محروم من التعليم والرعاية الصحية والتنشئة السليمة، ما يُنتج دورة متكررة من الفقر والانحراف والإقصاء.
كما أن استمرار الظاهرة بهذا الشكل ينسف مجهودات الدولة في الترويج لصورة المغرب كدولة منخرطة في منظومة حقوق الإنسان، ويجعلها عرضة لانتقادات حادة من المنظمات الحقوقية الدولية.
وفي انتظار إجراءات فعالة وارادة سياسية للحكومات المتعاقبة سيظل الطفل المغربي عرضة للاستغلال، وسيبقى مشهد المتسولين بالأطفال عنواناً صارخاً لفشل السياسات الاجتماعية، ولتناقض الدولة مع التزاماتها الأخلاقية والدستورية.
التعاليق