صحافيون ولكن
ما نريده من الصحافة في المغرب بسيط جدا وسهل، نريد منها ان تكون صوتا يشرح بدون صراخ، تسأل ولا تبرر ، وتقدم للناس معلومة توجه إلى عقولهم لا إلى عواطفهم، لكن المشهد اليوم يجرّنا غالبًا إلى طرفين، طرف يلبس قميص “المناضل” ويحوّل كل شيء إلى غضب شعبوي، وطرف يلبس بدلة “المفسّر الرسمي” ويحوّل الأسئلة إلى تصفيق، وبين الطرفين، تضيع الصحافة المتزنة المهنية.
سنقوم بأخذ نماذج لصحفيين حتى نفهم كيف يتشكل الرأي العام المغربي، وسنحاول اعتماد المنهج المقارن لنستخلص النتائج.
لنأخذ مثالا لذلك حميد المهداوي. هو صحفي يتوفر على حضور وكاريزما، يستطيع من خلالها ان يوصل نبض الشارع وهذه قوته وتميزه، لكنه كثير الصراخ والتهديد، مهنيته تعتمد كثيرا على قوله “أنا سأكشف” عوض ان يقدم “وثائق وأدلة” تقوي صحة الملفات التي يطرحها لمتابعيه، يعتمد العناوين الكبيرة، والنبرة الواثقة… ثم لا مصدر واضح، ولا حقّ رد، ولا وثيقة.
النتيجة؟
يتحوّل الغضب إلى وقود للحظة، بدل ان يتحول الى ملف يقف على رجليه. المشكلة ليست في الجرأة—وهي مطلوبة—المشكلة في غياب أدوات الجرأة المهنية: ورقة، رقم، رابط، محضر، تسجيل.
الأمر الذي اثر في آلاف الشباب اليوم الذين يقلدون هذا الأسلوب: ثقة عالية مع معلومة رخوة. تعطينا مؤثرين، لا صحفيين.
يونس مسكين نموذج آخر للصحفي الجيد المتمكن والمتمرس، يكتب رأيًا متماسكًا، ولديه خلفية فكرية معتبرة لكنها مشوشة، يقف مع حرية التعبير، لكنه لا يقبل الرأي الآخر، خطه التحريري على طريق واحد ولون واحد، يحول ما يقوم به من عمل صحفي إلى عمل دعائي بواجهة واحدة.
هو يستطيع ان ينتقد أي شيء من اصغر سلوك للمغاربة مرورا بالملك ومحيطه وصولا إلى حرية قول أي شيء في وجه الله (دفاعه عن ابتسام لشكر)، لكنه لا يستطيع ان يتحمل أي نقد ولو صغير تجاه ما يكتبه، فهو يقوم بحذف كل التعليقات التي تخالفه ويحضر أصحابها، كيف نطالب الدولة بسماع النقد ونحن لا نحتمل نقدًا على صفحتنا؟ كثيرون ينسخون هذا السلوك: “أنا مع الحرية… لكن صفحتي غرفة صدى”. النتيجة: جمهور مغلق، لا يتعلم ولا يعلّم.
توفيق بوعشرين صوت حادّ ويعرف كيف يلتقط الخيط السياسي بسرعة. المشكلة أنه يستسلم أحيانًا لوتيرة الريلز والفيديوهات السريعة: حكم قاطع في دقيقة، بلا رقم يثبت، ولا مصدر يُرجع له. تتضاعف المشاهدات، لكن تقلّ المصداقية. شباب كُثُر صاروا يقلدون: “قل جملة لاذعة تتحول ترندًا”. هذا ليس أثرًا صحافيًا؛ هذا أثر لحظي يذوب مع أول سؤال: “من أين أتيت بهذه المعلومة؟”.
سليمان الريسوني حالة حساسة؛ دفع ثمنًا كبيرًا ويدافع بقوة عن حرّية الصحافة. لكن الاتساق مهم: إذا طالبت بأوسع هامش للنقاش في الشأن الخاص للشخصيات العمومية، فمن المنطقي أن تدافع أيضًا عن الحقوق الفردية—even حين تصطدم بذوقك أو قناعاتك. كثيرون يقلّدون هذه الانتقائية: “أريد حرية تناسبني، لا حرية للجميع”. النتيجة: خطاب حقوقي مهتزّ، يُهاجَم بسهولة.
وعلى الضفة الأخرى، شيء آخر مغاير تماما، نجد رضوان الرمضاني محترف في التقديم والوصول إلى المسؤولين، وقلم متمرس يستطيع ان يوصل ابسط الأفكار بسلاسة، لكن الحذر الزائد يجرّك أحيانًا إلى منطقة رمادية: الضيف يتكلم طويلًا، والأسئلة تفقد أنيابها، وتغيب المعلومة المضادة داخل الحلقة. يتكرّس نموذج لدى المقلّدين: “كن مهنيًا يعني كن مؤدّبًا جدًا”.
لا. المهنية ليست أدبًا فقط؛ المهنية أيضًا إصرار على جواب محدد، عرض رقم على الشاشة، وفتح الميكرو لصوت مقابل في نفس الحلقة.
لنرى ايضًا صديقه المختار الغزيوي الذي يكتب بأسلوب إنجازي مطمئن، يهوّن المخاوف ويبارك القرارات. جيد أن نشرح للناس ما الذي تفعله الدولة، لكن السيولة الإنشائية بلا كلفة وبلا عيوب تجعل المقال أشبه ببيان. شباب كثر يتعلّمون من هذا الأسلوب: “كن إيجابيًا، وإياك أن تُزعج”. النتيجة: نصوص لطيفة… بلا فائدة عامة.
المشكلة الآن أن هذه النماذج صارت مؤثرة، وخلقت “مدارس” مصغّرة: مدرسة الصراخ بلا وثيقة، مدرسة الرأي الذي لا يحتمل رأيًا آخر، مدرسة السرعة بلا إسناد، مدرسة الحذر الذي يقتل السؤال، ومدرسة الإيجابية التي تُعطّل النقد. في المقابل، اختفت الأصوات المتزنة التي تجمع بين الحِدّة والعدل: تسأل بقوة، توثّق بدقة، تُعطي حق الرد، وتعتذر عند الخطأ.
إذا أردنا تصحيح الاتجاه، فليكن عندنا “بروتوكول بسيط” ينسخه الجيل الجديد قبل أي نشر:
- فرّق بين الخبر والرأي: قل “تحليل” لما تحلل، و“خبر” لما تنقل.
- قدّم وثيقة أو رقمًا أو رابطًا واحدًا على الأقل مع كل ادعاء مهم.
- أعطِ الطرف الآخر فرصة—حتى لو لم يرد، اذكر أنك حاولت.
- لا تحذف تعليقًا مخالفًا محترمًا؛ دعه يختبر حججك أمام الناس.
- إذا أخطأت، صحّح علنًا. الاعتذار يرفعك لا يُنقصك.
- في البرامج الحوارية: اجلب ضيفًا مضادًا، أو قدّم “كبسولة مضادّة” داخل الحلقة.
- تذكّر: الهدف ليس أن تنتصر على خصمك، بل أن تُنير عقول جمهورك.
نريد صحافة تضرب بقوّة… لكن بالأدلة. تُربك الحكومة… لكن بالأسئلة المصوّبة. تفضح التلاعب… لكن بمستندات لا بتلميحات. ونريد أيضًا صحافة تشرح منجزات الدولة —لا لتُصفّق، بل لتكتمل الصورة. النقد وحده لا يبني وعيًا، كما أن التبرير وحده لا يصنع ثقة.
الخلاصة: هؤلاء الأسماء، بحجوم مختلفة، صنعوا تأثيرًا حقيقيًا في الجمهور. المشكلة أنّ تأثيرهم جرّ وراءه الكثير من “النسخ” التي كرّرت العيوب نفسها وكبّرتها. إن أردنا صحافة تُغيّر، نحتاج أن نستبدل “عدوى الأسلوب” بـ“عدوى المهنية”: عدوى الدقة، والإنصاف، والشجاعة المتوازنة. حينها فقط، سيصبح السؤال: “من الأكثر مشاهدة؟” أقل أهمية من السؤال: “من الأكثر فائدة للناس؟”.
التعاليق