صحافة الخنادق !
في خضم النقاش المغربي المتجدد حول مسار التطبيع مع إسرائيل، والذي احتدم مع المأساة الإنسانية في غزة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وكذا حدث الحرب الإيرانية الاسرائيلية كانت هناك مؤسسات إعلامية معروفة قد اتخذت اتجاها منفردا في خطاب دعائي واضح، يتجاوز التفسير والتحليل إلى التبرير والتسويق، بل أحيانًا التهجم على كل صوت نقدي.لقد ظلّ النقاش حول التطبيع، منذ الإعلان عنه، مفتوحًا بين مكوّنات المجتمع المغربي، بكل تلاوينه: جمعيات مدنية، هيئات حقوقية، أحزاب سياسية، ونخب أكاديمية وفنية. وهو أمر طبيعي في أي بلد حي، يُفترض أن يحمي حرية التعبير والتعددية في الآراء. غير أن المفاجأة جاءت من داخل بعض البيوت الإعلامية الكبرى، التي اختارت الاصطفاف الكامل مع الموقف الرسمي، بل ومع الرواية الرسمية الإسرائيلية، دون تحفظ أو نقد أو حتى محاولة فهم متوازن للواقع.لم يعد الأمر يقتصر على تغطية تقليدية أو انتقاء ضيوف بعينهم، بل أصبح واضحًا أن الخط التحريري، بمختلف قنواته الورقية والرقمية والإذاعية، قد تم تسخيره للدفاع غير المشروط عن خيار التطبيع. وهنا لا نتحدث عن الاجتهاد الصحفي، بل عن تحوّل المؤسسة الإعلامية إلى منصّة للدعاية السياسية، في خرق صارخ لأبجديات العمل الصحفي كما هو متعارف عليها دوليًا.وحتى حين انفجرت الأزمة في غزة، وسقط مئات الأطفال والنساء تحت القصف، لم نشهد من هذه المؤسسات برامج تحليلية معمّقة، ولا تحقيقات ميدانية، ولا محاولة لاستشراف المآلات الجيوسياسية. كل ما قُدم هو تأطير موجه للنقاش، وصل إلى حد طرح أسئلة مثل: “من يُشكّل خطرًا أكبر على المغرب: إيران أم إسرائيل؟” — في مثال فجّ على التوجيه الإيديولوجي للوعي الجماعي، وتغييب للسياق، وإهانة لقدرات الجمهور على التمييز والفهم.إن مثل هذا الأداء يُخرج الصحافة عن دورها الطبيعي كمراقب ومحلل وناقل متعدد الزوايا، ويُدخلها في منطق الدعاية السياسية المغلقة، التي لا تؤمن بحق المواطن في معرفة الحقيقة، بل فقط في ترديد الخط الرسمي.نحن لا نطالب الإعلام بالاصطفاف في الاتجاه المعاكس، بل نطالب باستقلاليته، بحياده، بتعدديته، وبمراعاة الحدّ الأدنى من أخلاقيات المهنة. فالإعلام لا يُقاس بولائه للدولة، بل بولائه للمهنة، للحقيقة، ولحق الناس في فهم ما يجري من زوايا متعددة.فالمغرب، الذي يفتخر بتنوعه وتعدديته، لا يستحق صحافة بزاوية واحدة.ولا يستحق صحافة يكون ولاؤها للكل…
التعاليق