شيخوخة المغرب تتعمّق… هل تُنقذ الجالية واليد العاملة الإفريقية معادلة السكان والاقتصاد؟
مغرب يشيخ بسرعة وفوارق الجهات تُضاعف الضغط:
لم تعد الشيخوخة الديمغرافية “توقعًا” بعيدًا في المغرب، بل تحوّلت إلى واقع رقمي صلب يضغط على منظومات الصحة والحماية الاجتماعية والتقاعد، ويكشف في العمق عن فوارق جهوية صامتة قد تتحول إلى فجوات تنموية إن لم تُواكب بسياسات دقيقة. فوفق معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، ارتفع وزن فئة البالغين 60 سنة فما فوق إلى 13,8 في المائة، مقابل 8 في المائة سنة 2004؛ أي أن البلاد انتقلت خلال عقدين إلى منحى “شيخوخة متسارع” يتقدم بوتيرة ثابتة.
غير أن الأهم من الرقم الوطني هو جغرافيته: جهات مثل الشرق وبني ملال–خنيفرة تتصدر نسب الشيخوخة، بينما تبقى الجهات الجنوبية في مستويات أقل بكثير، فيما تتموضع جهات أخرى قرب المعدل الوطني. هذا التباين يعني عمليًا أن الضغط على الخدمات الصحية، ومؤسسات الرعاية، ومداخيل الأسر، والقدرة على التكفل بالمسنين، لا يقع بالتساوي على الخريطة، بل يتركز أكثر في جهات بعينها، ما يفرض سياسات “مفصلة على المقاس” بدل حلول وطنية عامة لا تراعي الاختلافات المحلية.
وإلى جانب البعد الترابي، تتأكد “تأنيث الشيخوخة” كعنوان اجتماعي حادّ: النساء يَفُقن عدديًا الرجال في سن متقدمة، لكنهن غالبًا يواجهن هشاشة أشد بسبب الترمل والعيش المنفرد وضعف الموارد، خاصة لمن لم يستفدن من مسارات مهنية مستقرة. كما تظهر معطيات العيش أن الأسرة ما تزال الدعامة الأساسية للتكفل، غير أن هذا الدور يتآكل داخل المدن بفعل التحولات الاجتماعية وتغير نمط العيش، ما يرفع الحاجة إلى خدمات رعاية قريبة ومنظمة، وإلى إعادة التفكير في نموذج الشيخوخة برمّته: من الرعاية الصحية والأدوية، إلى الدخل، والسكن، وخدمات الدعم اليومي.
إدخال الجالية المغربية ضمن معادلة الحل:
من “تحويلات” إلى رافعة بشرية واجتماعية
في مواجهة هذا التحول البنيوي، تبرز زاوية جريئة لكنها واقعية، ماذا لو لم تعد الجالية المغربية بالخارج مجرد مصدر تحويلات مالية، بل جزءًا من سياسة ديمغرافية-اقتصادية شاملة؟ فالجالية تمثل كتلة سكانية كبرى توازي حجم جهات كاملة، ويمكن – إذا تم الاشتغال عليها بمنطق السياسات لا بمنطق الخطابات – أن تخلق أثرًا مزدوجًا: بشريًا عبر العودة والاستقرار، وماليًا عبر أدوات تمويل موجهة.
سيناريو عودة الأسر الشابة والكفاءات يبدو الأكثر تأثيرًا ديمغرافيًا، لأنه يضيف فئات نشطة ويعيد ضخ دماء جديدة في سوق الشغل والاستهلاك والولادات المحتملة. لكن نجاحه مرتبط بشروط واضحة لا يمكن القفز عليها: فرص الشغل، جودة المدرسة، الولوج إلى العلاج، السكن، والمساطر الإدارية. بدون ذلك ستظل العودة انتقائية ومحدودة، ولن تتحول إلى “موجة” لها أثر محسوس على الهرم العمري.
أما عودة المتقاعدين من الجالية فهي أقل تأثيرًا على تجديد الهرم العمري، لكنها قد تكون ذات أثر اقتصادي وخدماتي مهم إذا تم تنظيمها: خلق طلب على خدمات الصحة والرعاية، تحريك قطاعات السكن والخدمات، وتحويل جزء من خبرات الجالية إلى قيمة اجتماعية عبر التطوع أو الاستثمار المحلي. غير أن هذا المسار يحمل أيضًا مخاطرة واضحة: ضغط إضافي على المنظومة الصحية إذا لم يُرفق بعرض تأميني وخدمات رعاية طويلة الأمد، وبمسارات إدارية سريعة وواضحة.
وفي الجانب المالي، يمكن التفكير في تحويل جزء من تحويلات الجالية – بشكل اختياري وشفاف – إلى أدوات ادخار وتمويل لخدمات الشيخوخة: صناديق محلية للرعاية، دعم أرامل مسنات، تجهيز مراكز رعاية نهارية، أو تمويل طبّ الشيخوخة وخدمات التمريض المساعدة.
ماذا لو أصبحت الهجرة الإفريقية هي الحل؟فرصة ممكنة… لكن بشرط تنظيمها كسوق شغل لا كـ”حل تلقائي”
الحديث عن الهجرة الإفريقية كجزء من الحل يظل حساسًا، لكنه يكتسب وجاهته كلما اتسعت فجوة سوق الشغل في قطاعات بعينها، غير أن تحويل اليد العاملة الإفريقية إلى “رافعة” يتطلب أن تُدار كسياسة عمل وهجرة لا كحلّ عفوي. فالأثر الحقيقي للهجرة يظهر عندما تكون الفئات المهاجرة شابة، وتشتغل بشكل رسمي، وتُدمج قانونيًا واجتماعيًا، بما يُحسن نسبة السكان النشيطين ويخفف الضغط على بعض القطاعات.
مبدئيًا، هناك قطاعات يمكن للهجرة العمالية أن تسد فيها خصاصًا واضحًا: الفلاحة الموسمية، البناء والأشغال، اللوجستيك والخدمات، والنسيج، ثم الرعاية والخدمات المنزلية التي ستصبح في قلب الطلب خلال السنوات المقبلة. لكن الخطر يبدأ حين يتم ذلك عبر قنوات غير منظمة: تشغيل غير مهيكل، أجور هشة، استغلال، واحتكاك اجتماعي مع الفئات المحلية التي قد تشعر بالمنافسة أو بضغط على الأجور.
لذلك، إذا أُريد لهذا المسار أن يكون جزءًا من الحل لا شرارة توتر، فالنموذج الواقعي يقوم على قواعد واضحة: تحديد القطاعات والجهات التي تحتاج اليد العاملة بدقة، حصص سنوية حسب الحاجيات، تصاريح عمل مرتبطة بعقود حقيقية، تكوينات قصيرة (لغة، سلامة مهنية، مهارات خدمة)، والأهم هو الربط المباشر بتحدي الشيخوخة: بناء منظومة “مهن الرعاية” كوظائف رسمية محترمة ومنظمة، بدل تركها في الهامش.
في النهاية، الشيخوخة في المغرب ليست رقمًا ديمغرافيًا فقط؛ إنها اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على إعادة تصميم سياسات الصحة والرعاية والدخل والخدمات على أساس جهوي وواقعي. الجالية المغربية قد تكون جزءًا من الحل، والهجرة الإفريقية قد تكون جزءًا من الحل، لكن الشرط الحاسم واحد: أن تُدار الخيارات كسياسات مؤطرة بحكامة واضحة، لا كبدائل سحرية تُرفع عند الحاجة ثم تُترك لواقع السوق والهشاشة.
التعاليق